الغرب «اللا أخلاقي»… ونفاق الخطاب العربي-الإسلامي
منذ سنوات، تابعتُ على قناة ألمانية ناطقة بالعربية برنامجًا استضاف محامية عراقية، تحدثت بحرقة وألم عن مشروع قانون كان مطروحًا آنذاك أمام البرلمان العراقي، يتعلق بتعديل تشريعات الأحوال الشخصية. المشروع، كما شرحته المتدخلة، تضمّن نصوصًا تفتح الباب أمام ممارسات تُعرف فقهيًا بـ«المفاخذة»، أي عقد زواج على طفلة لم تبلغ سن الوطء، مع السماح بممارسات جسدية إلى غاية بلوغها. ما لفت الانتباه في تلك الحلقة لم يكن فقط خطورة الموضوع، بل الصمت شبه التام للإعلام العربي الذي يصف نفسه زورًا بأنه «إسلامي» أو «أخلاقي»، إذ لم يصدر عنه تنديد يُذكر، ولا حتى تغطية جادة لنضال محامية كانت تصرخ حرفيًا من شدة الصدمة والفضيحة.
المفارقة أن النقاش هنا لا يتعلق بخلاف فقهي سنّي–شيعي، ولا بسجال مذهبي تقليدي، بل بمسألة إنسانية وأخلاقية بحتة تتعلق بحماية الطفولة وكرامة الإنسان. ومع ذلك، بدا أن هذا المستوى من الانتهاك لا يستفز ضمير قطاعات واسعة من النخب الناطقة بالعربية، التي اعتادت رفع الصوت عاليًا فقط حين تكون الانتهاكات صادرة من الغرب، حتى وإن كانت أقل بشاعة أو أكثر خضوعًا للمساءلة القانونية.
هذا الصمت يتكرر في محطات أخرى. عندما تفجّرت فضائح الاستغلال الجنسي في الغرب، ومنها قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين، امتلأت المنابر العربية بخطاب التنديد بـ«فساد الأخلاق الغربية» و«انحطاط القيم الإنسانية»، دون بذل الجهد نفسه في مساءلة الانتهاكات التي تقع داخل المجتمعات العربية والإسلامية. ففي حين يُدان الغرب –غالبًا بعمومية مريحة– لأن حالات الاستغلال تُكشف وتُناقش علنًا، يُقابل ما هو أخطر داخل المنطقة بصمت مريب أو تبرير ديني أو ثقافي.
الأمر ذاته تكرر عند مأساة الإيزيديات في العراق، عندما أقدمت تنظيمات إرهابية على سبي النساء وفتح أسواق لبيعهن. حينها، خرجت نائبة إيزيدية في البرلمان العراقي باكية، تطالب بحماية شعبها ومحاسبة الجناة. غير أن الصوت الثقافي العربي-الإسلامي ظل خافتًا، وكأن الجريمة تفقد بشاعتها متى كان مرتكبوها «من الداخل»، أو متى أمكن تغليفها بخطاب ديني أو تبرير هويّاتي.
ولا يقل خطورة عن ذلك ما يصدر أحيانًا من منابر يفترض أنها دعوية أو تعليمية. فقد أثارت تصريحات لبعض الأئمة أو الوعّاظ، الذين تحدثوا عن مفاهيم مثل «ملك اليمين» أو استباحة النساء بمرجعيات تاريخية، موجات استياء محدودة سرعان ما خمدت، في مقابل استمرار هؤلاء أنفسهم في إلقاء خطب عن «فساد الغرب» و«نقاء الأخلاق في المجتمعات المسلمة»، دون أي مراجعة ذاتية أو إحساس بالتناقض الصارخ.
الإعلام العربي، من جهته، غالبًا ما يتعامل بانتقائية واضحة. فهو يتردد في فتح ملفات الانتهاكات الأخلاقية داخل مجتمعه، أو مساءلة شبكات النفوذ والسلطة، بينما يجد في فضائح الغرب مادة جاهزة للشجب والإدانة. حتى عندما تثار اتهامات بضلوع شخصيات عربية في قضايا استغلال أو فساد أخلاقي عابر للحدود، تُختزل المسألة في «حالات فردية» أو تُدفع إلى الهامش، بدل التعامل معها كظواهر تستوجب النقد والمحاسبة.
النفاق الأخلاقي أصبح سمة بنيوية في الخطاب السائد، تُدان الجرائم عندما تقع في الغرب لأنها تُكشف وتُناقش، بينما تُخفى أو تُبرَّر أو يُتواطأ معها عندما تقع في مجتمعات عربية وإسلامية. الفارق ليس في وجود الانحطاط من عدمه، بل في الجرأة على الاعتراف به ومواجهته. الغرب يفضح أزماته، فيما يفضّل كثيرون عندنا دفنها تحت خطابات التفوق الأخلاقي الزائف.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مفاوضات مدريد حول الصحراء الغربية: تضليل مروكي وتحريف للبيان الأمريكي!
يثير ما تم تداوله إعلاميًا بشأن المفاوضات المباشرة التي جرت في مدريد بين المروك وجبهة البو…





