المتوسط في قلب الرهان الثقافي: فرنسا تستثمر في الشراكات مع دول الجنوب
يستعد المشهد الثقافي في فرنسا لاحتضان واحدة من أضخم التظاهرات متعددة الأبعاد خلال سنة 2026، والمتمثلة في “موسم المتوسّط 2026”، الذي يمتد من 15 ماي إلى 31 أكتوبر، ويضم أكثر من 200 فعالية ثقافية وفنية وفكرية موزعة عبر مختلف مناطق البلاد، في مبادرة تحمل أبعادًا تتجاوز الطابع الثقافي الكلاسيكي نحو مقاربة شاملة تمزج بين الثقافة، الدبلوماسية، البحث العلمي، والعمل المدني. ويُنظر إلى هذا الحدث باعتباره مشروعًا استراتيجيًا يهدف إلى إعادة رسم ملامح الفضاء المتوسطي، عبر تعزيز الروابط بين شعوبه، وإبراز ديناميكياته الإبداعية، خاصة في ظل التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة.
وقد تم الإعلان الرسمي عن هذا المشروع في مدينة مرسيليا خلال جوان 2023، في سياق سياسي وثقافي يعكس رغبة واضحة لدى السلطات الفرنسية في إعادة توجيه علاقاتها مع دول جنوب وشرق المتوسط، من خلال ما يُعرف بالقوة الناعمة، أي توظيف الثقافة كوسيلة للتأثير وبناء الشراكات. وتكتسي مرسيليا أهمية خاصة في هذا الإطار، ليس فقط باعتبارها موقعًا جغرافيًا على البحر الأبيض المتوسط، بل لكونها نموذجًا حيًا للتنوع الثقافي والتعايش، حيث تحتضن جاليات متعددة من أصول متوسطية، ما يجعلها فضاءً طبيعيًا لانطلاق تظاهرة بهذا الحجم.
ويقوم “موسم المتوسّط 2026” على تصور فكري متقدم يُجسد فكرة “المتوسطات المتعددة”، وهو مفهوم يعكس رفض النظرة التبسيطية التي تختزل المتوسط في كيان موحد، ويؤكد بدلًا من ذلك على تعددية الهويات واللغات والثقافات داخل هذا الفضاء. ويُترجم هذا التصور عمليًا من خلال برمجة غنية ومتنوعة، تسعى إلى تمثيل مختلف التعبيرات الثقافية والفنية، من الموسيقى والمسرح إلى الفنون التشكيلية والسينما، مرورًا بالندوات الفكرية والملتقيات الأكاديمية.
وتنقسم البرمجة إلى خمسة محاور رئيسية تعكس قضايا معاصرة تشغل مختلف المجتمعات المتوسطية. أول هذه المحاور يتمثل في “التصورات المستقبلية”، حيث يتم استكشاف مستقبل المنطقة من خلال مشاريع فنية وعلمية تدمج بين الابتكار والتخيل، مع التركيز على قضايا مثل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. أما المحور الثاني، فيتعلق بـ“الهويات المتعددة”، ويعالج مسألة الانتماء في سياق العولمة، خاصة لدى الشباب المنحدرين من خلفيات ثقافية مزدوجة أو متعددة.
ويُخصص المحور الثالث لـ“الروحانيات المعاصرة”، حيث يتم تناول التحولات في الممارسات الدينية والروحية داخل المجتمعات المتوسطية، في ظل التغيرات الاجتماعية المتسارعة. بينما يركز المحور الرابع على “الهجرة”، باعتبارها ظاهرة مركزية في تاريخ المتوسط، حيث تُطرح من خلال مقاربات إنسانية وفنية تسلط الضوء على تجارب المهاجرين، وتفكك الصور النمطية المرتبطة بهم. أما المحور الخامس، فيتناول “بناء السرديات”، ويهدف إلى إعادة كتابة التاريخ المشترك للمنطقة من خلال زوايا نظر متعددة، تعكس تنوع الروايات والذاكرات.
من الناحية التنظيمية، يُشرف على هذا الحدث كل من وزارتي أوروبا والشؤون الخارجية والثقافة في فرنسا، بالتعاون مع المعهد الفرنسي، وتحت إدارة المفوضة العامة جولي كريتزشمار، التي تضطلع بمهمة تنسيق البرامج وضمان انسجامها مع الأهداف الاستراتيجية للموسم. كما يشارك في تنفيذ الفعاليات عدد كبير من الشركاء، من مؤسسات ثقافية، وجامعات، ومراكز بحث، ومنظمات مجتمع مدني، ما يمنح المشروع طابعًا تشاركيًا واسع النطاق.
ولا يقتصر تنظيم الفعاليات على الأراضي الفرنسية فقط، بل يمتد تأثير الموسم إلى خارجها، من خلال شبكة العلاقات الثقافية والدبلوماسية التي تربط فرنسا بدول المتوسط، حيث يُرتقب تنظيم تظاهرات موازية في عدة بلدان، خاصة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تحظى دول مثل الجزائر، المغرب، تونس، مصر ولبنان بحضور بارز، سواء من خلال مشاركة فنانين ومبدعين، أو عبر مشاريع تعاون ثقافي مشترك، ما يعزز من البعد الإقليمي للمبادرة.
ويركز “موسم المتوسّط 2026” بشكل خاص على فئة الشباب، باعتبارها الفاعل الأساسي في مستقبل المنطقة، حيث يتم دعم مشاريع شبابية مبتكرة، وتشجيع التنقل والتبادل بين الفنانين والطلبة والباحثين، في إطار ديناميكية تهدف إلى خلق شبكات تعاون مستدامة. كما يتم تسليط الضوء على دور الجاليات المتوسطية المقيمة في أوروبا، باعتبارها جسورًا حية بين الثقافات، ومصدرًا غنيًا للإبداع والتجديد.
وفي قراءة أعمق، يمكن اعتبار هذا الموسم محاولة لإعادة بناء صورة المتوسط كفضاء للتكامل بدل الصراع، خاصة في ظل التحديات المشتركة التي تواجهها المنطقة، مثل التغير المناخي، الأزمات الاقتصادية، والهجرة غير النظامية. ومن خلال هذا المشروع، تسعى فرنسا إلى لعب دور محوري في صياغة هذا التحول، عبر مقاربة تقوم على الثقافة كمدخل للحوار والتفاهم.
يمثل “موسم المتوسّط 2026” أكثر من مجرد تظاهرة ثقافية، بل هو مشروع سياسي-ثقافي متكامل، يعكس تحولات في طريقة التفكير في العلاقات الدولية، ويؤكد على أهمية الثقافة كأداة لبناء جسور التواصل بين الشعوب. كما يشكل فرصة حقيقية لدول المغرب العربي، وعلى رأسها الجزائر، لتعزيز حضورها الثقافي على الساحة الدولية، والمساهمة في صياغة مستقبل مشترك للفضاء المتوسطي، قائم على التنوع، التعاون، والتبادل المتكافئ.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

