‫الرئيسية‬ الأولى بوعلام رحال… قصة تزوير شهادة ميلاد لقطع رأس “المقنين الزين”
الأولى - فنون وثقافة - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

بوعلام رحال… قصة تزوير شهادة ميلاد لقطع رأس “المقنين الزين”

بوعلام رحال… قصة تزوير شهادة ميلاد لقطع رأس “المقنين الزين”
لا تُقاس الجرائم الاستعمارية بحصيلة الضحايا وحدها، بل تُقاس أيضًا بطبيعة الوسائل التي استُخدمت لتبرير القتل وإلباسه ثوب “الشرعية”. وفي سجل حرب التحرير، تظل قضية الشهيد بوعلام رحال من أكثر القضايا فجاجة ودلالة، لأن الاستعمار الفرنسي لم يكتفِ باعتقال شابٍ مناضل ومحاكمته محاكمة عسكرية سريعة ثم إعدامه، بل مضى إلى ما هو أبعد، زوّر وثيقة مدنية وتلاعب بعمره كي يُسقِط عنه صفة القاصر، ويفتح للمقصلة طريقًا “قانونيًا” نحو عنقه. هكذا تثبت الصحافة الجزائرية والعربية، وهكذا رُويت القصة في شهادات السجن والذاكرة الوطنية، وهكذا بقي الاسم حيًا في الوجدان الشعبي، “المقنين الزين”… شاب صغير اضطرّت فرنسا إلى تزوير التاريخ لتستطيع قتله.

وُلد بوعلام رحال في أواخر سنة 1937 بالجزائر العاصمة، في زمن كانت فيه المدينة مقسّمة عمليًا إلى عالَمين، عالمٌ مرفّه محميّ ومحصّن للأقلية الاستعمارية، وعالمٌ آخر ضيّق خانق للأغلبية الجزائرية، يعاني الفقر والاكتظاظ والمراقبة الدائمة. تلك البيئة لم تنتج فقط غضبًا سياسيًا، بل صنعت جيلًا يتقدّم في العمر قبل أوانه: ملامح قاسية، أجساد أنهكتها ظروف العيش، وشعور مبكر بأن الحياة نفسها تُدار ضده. داخل هذا الواقع، كان بوعلام رحال شابًا رياضيًا، لعب ضمن الفئات الشبانية لنادي مولودية الجزائر، وهو تفصيل مهم لأنه يكشف أن الشهيد لم يكن “مقاتلًا محترفًا” خرج من فراغ، بل ابن المدينة، ابن الأحياء الشعبية، صاحب حياة يومية واهتمامات وموهبة، قبل أن يدفعه الاحتلال إلى خيار واحد، المقاومة.

وحين انفجرت “معركة الجزائر” بمعناها الأشهر، أي المعركة الحضرية التي نقلت المواجهة إلى قلب العاصمة بين 1956 و1957، تغيّر كل شيء. فالسلطة الاستعمارية واجهت لأول مرة مقاومة منظمة داخل مدينة تتعامل معها فرنسا كواجهة سياسية وإدارية ورمز سيطرة. لذلك لم تعد المعركة بين “متمردين” و“شرطة”، كما حاولت الدعاية الفرنسية وصفها، بل صارت صراعًا مفتوحًا بين شعب يريد اقتلاع منظومة استعمارية، ومنظومة تستخدم كل أدوات القمع لإبقاء المدينة “هادئة” على حساب الدم. في هذا السياق انخرط بوعلام رحال، مثل كثير من شباب القصبة وأحياء العاصمة، في الشبكات الحضرية التابعة لجبهة التحرير الوطني/جيش التحرير الوطني، حيث كانت الخلايا تعمل بسرية، وتتحرك في فضاء مليء بالحواجز والمداهمات، وتخوض “حرب أعصاب” ضد جهاز أمني ضخم.

تؤكد الروايات الصحفية المتداولة أن بوعلام رحال كان ضمن المنخرطين في العملية التي استهدفت ملعب الجزائر البلدي يوم 10 فيفري 1957، وهي عملية أحدثت هزة في الأوساط الاستعمارية لأنها ضربت رمزًا مدنيًا في قلب العاصمة، وأعادت تعريف “الأمان” الذي كانت فرنسا تروّج له داخل أحياء الأوروبيين. ولأن الاستعمار كان يُدرك أن المعركة في العاصمة ليست فقط معركة سلاح، بل معركة صورة وسيطرة نفسية، جاء الرد سريعًا وعنيفًا، موجات اعتقال متلاحقة، اقتحامات، حصار فعلي للقصبة، وتمكين المظليين من صلاحيات واسعة، وتحويل المدينة إلى فضاء مراقبة شاملة. وهنا بدأ المسار الذي انتهى بالمقصلة.

اعتُقل بوعلام رحال ضمن الحملة التي استهدفت تفكيك الشبكات الحضرية. وبحسب ما تداولته الصحافة لاحقًا وما انتشر في شهادات الذاكرة، فإن الاعتقال لم يكن بداية مسار عدالة، بل بداية مسار قمع. فالمرحلة التي تلت الاعتقال في 1957 ارتبطت في الوعي العام بكلمة واحدة، التعذيب. كان التعذيب في تلك الفترة جزءًا من “منظومة التحقيق”، تُستخدم فيه الصعق، والضرب، والإغراق، والإهانة، والعزل، وكل ما يهدف إلى انتزاع المعلومات وكسر الإنسان قبل انتزاع اعترافه. لذلك فإن ما روّجته بعض الكتابات الفرنسية في حينه عن “اعترافات” و“تفاصيل دقيقة” لا يُقرأ في منظور الذاكرة الجزائرية كأدلة، بل كمنتَج قسري لنظام تحقيق وحشي، أراد أن ينتزع من المعتقل ما يثبت الرواية التي يحتاجها لتبرير قمعه.

بعد ذلك، أُحيل بوعلام رحال إلى القضاء العسكري. وهنا تتعرّى طبيعة “الشرعية” الاستعمارية، محاكمات سريعة، مناخ سياسي ملتهب، ضغط أمني وإعلامي، وقضاء يعمل بمنطق الحرب لا بمنطق الحق. الحكم كان الإعدام بالمقصلة. والمقصلة هنا ليست مجرد آلة قتل، بل رمز كامل لذهنية الاستعمار، قتلٌ بارد، روتيني، يُنفذ فجرًا، ويُدار كإجراء إداري، كما لو أن الإنسان ملفّ يجب إغلاقه.

غير أن بوعلام رحال لم يكن “ملفًا عاديًا”. كان قاصرًا. وهذا ما تُلح عليه الصحافة الجزائرية والعربية وتثبته الذاكرة الشعبية بوصفه حقيقة جوهرية في القضية. فالقانون الفرنسي نفسه كان يمنع إعدام القُصّر. لكن فرنسا الاستعمارية، حين تريد القتل، لا تُناقش النصوص بل تُعدّلها عمليًا. لذلك لجأت إلى ما يؤكده التداول الصحفي والشهادات: تزوير شهادة الميلاد والتلاعب بالعمر، بإضافة أشهر إلى سن الشهيد كي يُعلن “بالغًا” على الورق، وتصبح المقصلة “ممكنة” قانونيًا. هذا ليس تفصيلًا جانبيًا، بل هو جوهر الفضيحة: سلطة تدّعي أنها جاءت بـ“القانون” إلى الجزائر، ثم تُزوّر وثيقة مدنية لتقتل شابًا صغيرًا لا يسمح القانون نفسه بإعدامه. إن كان القتل جريمة، فالتزوير هنا اعتراف مضاعف بالجريمة، لأنه يُثبت أن الاستعمار كان يعرف أنه يتجاوز حدوده، لكنه أراد “غطاءً” كيفما كان.

فجر يوم 20 جوان 1957، نُفذ الحكم في سجن سركاجي، المكان الذي تحوّل في تلك السنة إلى عنوان لسياسة الإعدام. تتحدث الروايات المتداولة عن توقيت الإعدامات في تلك الليلة/الصباح الباكر، وتذكر أنها تمت في ساعات الفجر، حيث يُساق المحكوم إلى المقصلة بينما السجن كله يتحول إلى مسرح مقاومة صوتية، تكبير، هتافات، أناشيد وطنية، وصدى خارج الأسوار يصل من القصبة في شكل زغاريد ونداءات. في هذه الصورة تتجسد مفارقة “القوة”، الاستعمار يملك السلاح والآلة والسجن، لكنه لا يملك الصمت الذي يحتاجه لتمرير جريمته دون أثر. لذلك تحوّلت لحظة الإعدام، رغم بشاعتها، إلى لحظة تحدٍّ وإدانة علنية لفرنسا.

بوعلام رحال، الذي عُرف بين الناس بلقب “المقنين الزين”، لم يُخلّد فقط بوصفه شهيدًا من شهداء المقصلة، بل خُلّد لأن قصته انتقلت من الوثيقة إلى الأغنية، ومن الزنزانة إلى الذاكرة. الفنان محمد الباجي، المعتقل في سركاجي آنذاك، صار في الرواية الشعبية شاهدًا أساسيًا على القصة. يُروى أنه تعرّف على بوعلام داخل السجن، ولاحظ صغر سنه، وتأثر بتفاصيل تزوير عمره، ثم بعد تنفيذ الإعدام احتفظ بقبعته، وكتب ولحّن أغنية “يا المقنين الزين” داخل السجن نفسه. هكذا صار “المقنين” استعارة شعبية، طائر جميل محبوس في قفص، يغني في الحزن، ثم يُقتَل لأن القفص لا يكفي المستعمِر، فهو يريد كسر الطائر كي يخيف بقية الطيور.

وتكمن قوة هذه الأغنية في أنها خرجت من داخل الجريمة نفسها. لم تُكتب في استوديو، ولم تُصنع في مناسبة رسمية، بل وُلدت في مناخ الإعدام، ومن وسط الزنازين، فأخذت صدقيتها من مصدرها. ثم انتقلت إلى الشارع الجزائري، وغُنّيت لعقود بوصفها قطعة وجدانية، قبل أن ينتبه كثيرون إلى أصلها السياسي والإنساني، ليست قصة حب، بل قصة شهيد قاصر قُطع رأسه لأن الاستعمار زوّر عمره. هكذا فعلت الذاكرة الشعبية ما لم تستطع الوثائق الرسمية وحدها فعله، حفظت القصة في لحن، لأن اللحن لا يُصادر بسهولة.

بعد الاستقلال، لم تختفِ الحكاية، بل اتسعت. صار سجن سركاجي رمزًا، وصارت “المقصلة” عنوانًا لمرحلة من القمع، وصار بوعلام رحال واحدًا من أشهر وجوهها. كل مرة تُستحضر فيها معركة الجزائر، تُستحضر معها أسماء الشهداء الذين أُعدموا في 1957، ويُستعاد اسم “المقنين الزين” بوصفه أحد أصغر من صعدوا إلى المقصلة. وفي كل مرة تعود الصحافة إلى ملف الإعدامات، تتكرر العبارة ذاتها بصيغ مختلفة: فرنسا لم تقتل مناضلًا فقط، بل تلاعبت بالقانون لتقتل قاصرًا، ثم حاولت أن تغلق الملف كأنه “حكم قضائي”.

وهنا تحديدًا يتضح معنى الانحياز الذي تفرضه الوقائع كما تداولتها الصحافة الوطنية: الانحياز ليس تزيينًا، بل تسمية الأشياء بأسمائها. ما جرى ليس “إجراءً قضائيًا”، بل قتل سياسي. وما سُمي “محاكمة”، كان مسارًا مُعدًا لنتيجة واحدة. وما سُمي “قانونًا”، لم يكن سوى ورقة تُعدل عند الحاجة. إن كان الاستعمار قدّم نفسه بوصفه حاملًا لمنظومة قيم، فإن قضية بوعلام رحال تفضح تلك الأسطورة من الداخل: حين تعارضت “القيم” مع هدف كسر المقاومة، لم تتردد فرنسا في تزوير شهادة ميلاد لتبرير قطع رأس شاب صغير. ذلك هو معنى الجريمة الاستعمارية في أوضح صورها: قتلٌ ثم تبرير، عنفٌ ثم تزوير، مقصلةٌ ثم خطاب حضاري كاذب.

وبينما يستمر الجزائريون في ترديد “يا المقنين الزين”، لا يرددون مجرد لحن حزين، بل يستدعون وثيقة مزورة، ومحاكمة عسكرية، وفجرًا في سركاجي، وطائرًا لم يسمح له الاحتلال أن يكبر. لذلك بقي بوعلام رحال حيًا في الوعي العام لا لأنه قُتل فقط، بل لأن قتله احتاج إلى تزوير… والتزوير في حد ذاته شهادة على أن الاستعمار كان يعرف أنه يرتكب ما لا يمكن الدفاع عنه إلا بالكذب.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

تصاعد خطير للعنصرية ضد الجزائريين في فرنسا

تشهد فرنسا في الفترة الأخيرة تصاعدًا لافتًا ومقلقًا في مظاهر العنصرية الموجّهة ضد الجزائري…