بين الضحية والجلاد.. الذاكرة والمصالحة
أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عزمه على متابعة مسار “الذاكرة والمصالحة” مع الجزائر، مشددًا على ضرورة التعامل مع الماضي المشترك بروح من الانفتاح والاحترام. تأتي هذه التصريحات في سياق محاولات جادة لمعالجة الجراح التاريخية العميقة بين البلدين.
تهدف مبادرات المصالحة بين فرنسا والجزائر إلى مواجهة القضايا العالقة التي ظلت تشكل عائقًا في تحسين العلاقات الثنائية، وعلى رأسها الاعتراف بالجرائم التي ارتكبتها فرنسا خلال فترة الاستعمار. هذه الجرائم تشمل التعذيب، القمع، والنفي الجماعي. وقد اتخذت فرنسا خطوات في هذا الاتجاه من خلال الاعتراف ببعض من تلك الجرائم، مثل اعترافها الرسمي بقتل قادة الثورة الجزائرية. إلا أن هذه الجهود تصطدم بعقبات كبيرة، أبرزها اختلاف الرؤى حول كيفية معالجة هذا الماضي الأليم.
الجزائر، من جانبها، تطالب باعتراف صريح واعتذار كامل عن جرائم الاستعمار، بينما تميل فرنسا إلى اعتماد مقاربة “متوازنة”، تسعى لتسليط الضوء على معاناة جميع الأطراف، بما في ذلك ضحايا “الأقدام السوداء” والمستوطنين الفرنسيين الذين عاشوا في الجزائر.
ومع ذلك، فإن محاولة مساواة الضحية بالجلاد تعد تزويرًا للوقائع التاريخية. الجزائر كانت هي الضحية في هذا السياق، حيث تعرض شعبها لسياسات قمعية شملت التعذيب والقتل والاضطهاد على يد القوات الاستعمارية الفرنسية. وأي محاولة لتقديم الجلادين كضحايا، هو تقليل من حجم التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري لنيل استقلاله.
لقد كانت الثورة التحريرية الجزائرية واحدة من أعظم وأشرس حركات التحرر في إفريقيا، ودفع الجزائريون ثمنًا باهظًا تمثل في أكثر من مليون شهيد. كانت هذه الثورة مواجهة مباشرة بين شعب مستضعف ونظام استعماري قمعي، وليس مجرد صراع محلي. تصوير المستوطنين الفرنسيين كضحايا لهذا النضال يشوه حقيقة التاريخ، إذ كانت المقاومة الجزائرية تسعى لتخليص بلادها من نظام قمعي استغل ثروات الجزائر وأخضع شعبها لأبشع أنواع الاضطهاد.
ماكرون، ورغم إصراره على أهمية المصالحة، يبدو وكأنه لا يزال، مثل الكثير من السياسيين الفرنسيين، غير مدرك تمامًا لحقيقة أن الجزائر طردت فرنسا من أرضها، ومن إفريقيا ككل، بفعل نضال شعبي قوي لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه.
وفي النهاية، إذا كانت هناك رغبة حقيقية في إعادة بناء العلاقات بين البلدين على أسس صحيحة، فيجب أن تستند المصالحة إلى اعتراف كامل وصريح بحجم التضحيات الجزائرية، دون محاولة تبرير أو تخفيف حدة الجرائم الاستعمارية. إن مسار “الذاكرة والمصالحة” بين فرنسا والجزائر ضروري لتحسين العلاقات، ولكنه لن يتحقق إذا لم يقم على الاعتراف الواضح بالحقائق التاريخية. المصالحة تتطلب احترام تضحيات الشعب الجزائري ودوره المحوري في مقاومة الاستعمار، وليس مساواة غير عادلة بين الضحية والجلاد.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
رئيس الجمهورية يطلق إصلاحات هيكلية في المكننة الفلاحية
ترأس اليوم رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، اجتماع عمل خُصّص لملف المكننة الفلاحية، …







