‫الرئيسية‬ الأولى درس فنزويلا.. وحكمة الجزائر
الأولى - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫35 دقيقة مضت‬

درس فنزويلا.. وحكمة الجزائر

درس فنزويلا.. وحكمة الجزائر
يشكل التحول الحاصل في فنزويلا لحظة مفصلية في قراءة طبيعة النظام الدولي المعاصر، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول صدقية التحالفات التي رُوّج لها خلال العقد الأخير باعتبارها بديلًا عن الهيمنة الغربية. فبعد سنوات من الخطاب السياسي الصدامي، والصمود الاقتصادي تحت العقوبات، وجد نظام نيكولاس مادورو نفسه في عزلة فعلية، بينما اكتفى الحلفاء المفترضون، وفي مقدمتهم روسيا والصين، بالمراقبة عن بعد، دون تدخل سياسي أو أمني يغير مسار الأحداث. هذا المشهد لا يعكس فقط أزمة داخلية فنزويلية، بل يكشف حدود المشروع الجيوسياسي الذي بُني حول فكرة “العالم متعدد الأقطاب”.

لسنوات، قُدّمت فنزويلا كرمز لمقاومة النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية، وكدولة تحتمي بشراكاتها مع موسكو وبكين، وتندرج ضمن محور دولي جديد تمثله مجموعة بريكس. هذا الخطاب غذّى تصورًا مفاده أن الانضمام إلى هذا الفضاء الدولي يوفر مظلة سياسية واقتصادية قادرة على حماية الأنظمة من الضغوط الغربية. غير أن اللحظة الحاسمة أظهرت أن هذه المظلة ليست سوى شبكة مصالح مرنة، تتوسع حين تكون الكلفة منخفضة، وتنسحب حين ترتفع المخاطر.

روسيا، التي تواجه تحديات استراتيجية كبرى في أوكرانيا وتعيد ترتيب أولوياتها العسكرية والاقتصادية، لم تُبدِ استعدادًا للدخول في مواجهة جديدة في القارة الأمريكية، حيث لا تملك عمقًا جغرافيًا ولا نفوذًا حاسمًا. أما الصين، فقد التزمت نهجها المعروف القائم على البراغماتية الصارمة، مكتفية بحماية استثماراتها ومصالحها التجارية، دون أي انخراط سياسي قد يضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في مجال تعتبره واشنطن حيويًا لأمنها الاستراتيجي.

في المقابل، تحركت الولايات المتحدة بسرعة لافتة لاستثمار هذا الفراغ. تصريحات دونالد ترامب بشأن بسط السيطرة الأمريكية على فنزويلا أو إعادة إدماجها ضمن الفلك الأمريكي تعكس منطق القوة الذي يحكم العلاقات الدولية عندما تتراجع قدرة الخصوم على الردع. ففنزويلا، بما تمتلكه من أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، ليست مجرد دولة مأزومة، بل ورقة استراتيجية بالغة الأهمية في معادلة الطاقة العالمية، ولا يمكن لواشنطن أن تسمح بخروجها الدائم من دائرة نفوذها.

هذا التحول يضع مجموعة بريكس أمام اختبار حقيقي. فالتجربة الفنزويلية، كما التجربة السورية من قبلها، توضح أن بريكس ليست تحالفًا سياسيًا أو أمنيًا قائمًا على التضامن، بل إطارًا اقتصاديًا واسعًا، تتحكم فيه اعتبارات المصلحة الوطنية لكل دولة. وعندما تتعارض حماية نظام سياسي مع هذه المصالح، يكون الانسحاب هو الخيار الأقل كلفة. بذلك، يسقط وهم “التحالف البديل” القادر على حماية أعضائه في لحظات الخطر.

في خضم هذا المشهد، تبرز الجزائر كحالة مختلفة في مقاربتها للعلاقات الدولية. فالجزائر لم تنخرط يومًا في سياسة الارتهان لمحور واحد، ولم تقدم شراكاتها مع روسيا أو الصين على أنها ضمانات سياسية أو أمنية مطلقة. بل حافظت، تاريخيًا، على مبدأ الاستقلالية الاستراتيجية وعدم الانحياز العملي، ما سمح لها ببناء شبكة علاقات متوازنة تمتد من الشرق إلى الغرب، دون الوقوع في فخ الالتزامات الثقيلة.

ترتبط الجزائر بعلاقات عسكرية وتقنية مهمة مع روسيا، وتجمعها بالصين شراكات اقتصادية واستثمارية متنامية، كما تحافظ على قنوات تواصل نشطة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، خاصة في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي. غير أن هذه العلاقات ظلت دائمًا محكومة بمنطق السيادة الوطنية وعدم التدخل، ولم تُقدَّم كتحالفات أيديولوجية أو كرهانات مصيرية. هذا التوازن هو ما يجعل الجزائر أقل عرضة لصدمة “الخذلان الجيوسياسي” التي عاشتها فنزويلا.

كما أن النظرة الجزائرية إلى بريكس تختلف جوهريًا عن نظرة دول أخرى. فالجزائر تتعامل مع هذا الفضاء باعتباره أداة لتنويع الشراكات الاقتصادية والمالية، وليس كحلف سياسي أو أمني. وسقوط فنزويلا يؤكد وجاهة هذا الخيار، إذ يبرز أن الانضمام إلى تكتل دولي لا يعفي الدول من ضرورة تحصين جبهتها الداخلية اقتصاديًا ومؤسساتيًا، ولا يوفر لها حماية تلقائية عند الأزمات الكبرى.

التجربة الفنزويلية تحمل، من زاوية جزائرية، درسًا بالغ الأهمية: الاعتماد على الخطاب المناهض للغرب دون بناء اقتصاد قوي ومؤسسات مستقرة يجعل الدولة عرضة للانكشاف عند أول اختبار حقيقي. فالتحالفات الخارجية، مهما بدت قوية، لا تعوض ضعف الداخل، ولا تحمي نظامًا يفقد قدرته على إدارة أزماته بنفسه.

في المحصلة، يكشف سقوط فنزويلا عن نهاية مرحلة من الأوهام الجيوسياسية، وبداية وعي جديد بحقيقة النظام الدولي. عالم اليوم لا تحكمه الشعارات ولا الوعود غير المكتوبة، بل تحكمه موازين قوة متحركة، ومصالح تتغير بسرعة. وبينما تعيد الولايات المتحدة بسط نفوذها بثقة، وتنكفئ قوى كبرى عند حدود حساباتها، تبرز الجزائر كنموذج دولة تحاول قراءة التحولات بعقل بارد، مدركة أن الاستقلال الحقيقي لا تمنحه التحالفات، بل يُبنى من الداخل، ويُصان بسياسة خارجية متوازنة لا تراهن على أوهام، بل على مصالح واضحة وحسابات دقيقة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

هل يُدان الالتزام بالنفقة في محكمة الدار البيضاء؟

في قضايا الأسرة، لا يكون الحكم القضائي مجرد إجراء قانوني معزول، بل قرارًا تتجاوز آثاره أطر…