‫الرئيسية‬ الأولى رسالة سيادية بأبعاد اقتصادية.. تخصيص 4 مليارات دولار لاقتناء قطارات جديدة وتوسيع شبكة السكك الحديدية

رسالة سيادية بأبعاد اقتصادية.. تخصيص 4 مليارات دولار لاقتناء قطارات جديدة وتوسيع شبكة السكك الحديدية

رسالة سيادية بأبعاد اقتصادية.. تخصيص 4 مليارات دولار لاقتناء قطارات جديدة وتوسيع شبكة السكك الحديدية
كشفت الحكومة الجزائرية، على لسان وزير النقل سعيد سعيود، يوم الخميس 29 ماي 2025، عن أكبر صفقة استثمارية في قطاع السكك الحديدية منذ الاستقلال، تمثلت في تخصيص غلاف مالي قدره 500 مليار دينار جزائري (نحو 4 مليارات دولار أمريكي) لاقتناء قطارات جديدة موجهة لنقل المسافرين والبضائع، وذلك ضمن خطة وطنية شاملة لربط شمال البلاد بجنوبه ومراكزه الصناعية بالموانئ الرئيسية، بما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو تحقيق السيادة في البنية التحتية وتقليص الفجوة التنموية بين المناطق.

هذا الإعلان لم يأت من فراغ، بل جاء في سياق التوجه الرسمي لتكريس سياسة الاستثمار العمومي الإنتاجي، وتفعيل مشاريع ذات بعد طويل المدى، في وقت تعتمد فيه الدولة على احتياطاتها المالية لتجنب اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، ما يعكس التزامها الصريح بالحفاظ على القرار الاقتصادي السيادي، كما أعلنه مرارًا رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون منذ توليه الحكم نهاية 2019.

خلال عرضه في المجلس الشعبي الوطني، قدّم الوزير تفاصيل دقيقة عن خطة الدولة الطموحة، مشيرًا إلى أن القطار سيكون وسيلة رئيسية لفك العزلة عن الولايات الداخلية والجنوبية، وربطها ليس فقط بالمراكز الحضرية الكبرى، ولكن بالمنظومة الاقتصادية الوطنية ككل. وتشمل الخطة إنشاء ثلاثة خطوط سكك حديدية كبرى: الأول بين تندوف وبشار بطول 950 كلم لنقل المسافرين والحديد من منجم غارا جبيلات، أحد أضخم احتياطيات الحديد في إفريقيا والعالم، والثاني يربط تبسة بميناء عنابة على طول 450 كلم لنقل الفوسفات، أما الخط الثالث فيمتد من العاصمة الجزائرية حتى تمنراست، في مشروع طموح يعبر آلاف الكيلومترات من التضاريس المتنوعة.

هذا الاستثمار الضخم يأتي في ظل جهود الدولة لتحديث منظومة النقل العام وجعلها قاطرة تنموية، حيث تُقدَّر احتياجات الجزائر السنوية لنقل البضائع بنحو 150 مليون طن، لا يتم نقل سوى 8% منها عبر السكك الحديدية. وهذا ما يفسر ضخامة الرهان المعلَن: بناء شبكة وطنية حديثة قادرة على تقليص كلفة النقل بنسبة تصل إلى 40%، ورفع قدرة المنافسة للمنتجات الجزائرية داخليًا وخارجيًا.

ولم يغفل الوزير خلال مداخلته الإشارة إلى قطاع النقل الجوي، حيث أكد أن شركة الخطوط الجوية الجزائرية ستتسلم أول طائرة من طراز Airbus A330-900 نهاية شهر جويلية المقبل، ضمن صفقة شملت 16 طائرة (8 من نوع A330 و8 من طراز Boeing 737 MAX 9)، وذلك في إطار خطة لتحديث الأسطول الجوي ودعم الربط الجوي، خاصة بين الولايات الجنوبية والشمالية.

الأمر اللافت أيضًا هو إعلان إنشاء شركة طيران جديدة مخصصة للخطوط الداخلية، عبر دمج بعض إمكانات شركة “طاسيلي للطيران”، التابعة لسوناطراك، في المشروع. هذه المبادرة تُترجم فلسفة التكامل داخل القطاع العمومي واستغلال الموارد الوطنية بكفاءة، دون خلق أعباء إضافية على المالية العامة.

ويرى الخبراء أن الاستثمار في البنية التحتية للنقل، خصوصًا السكك الحديدية، هو قرار استراتيجي حاسم في هذا الظرف الإقليمي والدولي، خاصة وأن الجزائر تسعى لتأمين موقع متقدم في المبادلات الإفريقية، على ضوء المبادرة الإفريقية للتجارة الحرة (ZLECAF)، وتخطط لتكون ممرًا آمنًا وفعالًا لعبور البضائع من دول الساحل والصحراء إلى أوروبا عبر موانئها.

ويدعم هذا التوجه توفر الجزائر على احتياطات صرف تتجاوز 70 مليار دولار، واحتياطات ذهب تقدر بأكثر من 80 مليار دولار، ما يسمح بتمويل هذه المشاريع الكبرى داخليًا دون الخضوع لإملاءات المؤسسات المالية الدولية، خلافًا لما يحصل في العديد من الدول الإفريقية التي أصبحت مرتهنة لديون خارجية مرهقة.

إن الخطة الجزائرية الطموحة لاقتناء قطارات جديدة ومدّ خطوط نحو الجنوب ليست مجرد عملية شراء تجهيزات، بل هي إعلان دخول الجزائر مرحلة إعادة هندسة لوجستية وطنية، يكون فيها النقل ليس أداة ربط فحسب، بل رافعة حقيقية لتنويع الاقتصاد وتسهيل تصدير الموارد الطاقوية والمعدنية والفلاحية.

وفي الوقت الذي تعاني فيه دول عديدة من صعوبات التمويل وقيود الديون، تبدو الجزائر مصمّمة على المضي في بناء منظومتها الإنتاجية بشكل سيادي ومستقل، مستفيدة من تراكمات مالية وعوائد طاقوية أحسنت توجيهها هذه المرة نحو الاستثمار الإنتاجي بدل الاستهلاك الريعي.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

العدد 86 من يوميـــــة “المؤشر” 25|11|2025