سيف الإسلام القذافي.. العائد الذي لا يُراد له أن يعود
لا يُقتل سيف الإسلام القذافي جسديًا،للمرة الثانية، لكن يُقتل سياسيًا. الأولى كانت قبل عدوان الناتو على ليبيا، حين طُرح عليه وعلى والده، عبر قنوات أوروبية غير مباشرة، سيناريو “الانتقال المنظّم” للسلطة، يتنحى العقيد معمر القذافي ويُسلَّم الحكم لنجله، في صفقة تحفظ ماء وجه الجميع. يومها، رفض الأب، وخرج سيف الإسلام بنفسه ليعلن سقوط المشروع. بعدها فُتحت أبواب الجحيم على ليبيا، ودُمرت الدولة، وقُتل الأب، وضاعت البلاد.
نظام القذافي، مهما حاول البعض تبرئته، يتحمل مسؤولية جوهرية فيما آلت إليه ليبيا. لم يؤسّس دولة مؤسسات، ولم يبنِ جيشًا وطنيًا احترافيًا، خوفًا من الانقلاب عليه، واختار حكم البلاد عبر شبكة معقّدة من الولاءات القبلية والعائلية، وتوزيع الريع النفطي بمنطق سياسي لا تنموي. هذا الخيار جعل الدولة هشّة، وسهّل على الخارج تفكيكها في أسابيع.
بعد 2011، تشتت العائلة الحاكمة، وسُجن سيف الإسلام، ثم أُفرج عنه، ليعود إلى حاضنته القبلية. ومع انسداد الأفق السياسي، وتحوّل ليبيا إلى كيان منقسم بين حكومتين وسلاحين ورعاة خارجيين، عاد اسمه للظهور، لا كمشروع وطني متكامل، بل كـ“بديل محتمل” عند فئات تبحث عن أي استقرار، حتى ولو كان قبليًا.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي. فعودة اسم سيف الإسلام، حتى دون تحرك فعلي، تُربك موازين قائمة. لا أحد يريد رجلًا يحمل مفاتيح مرحلة كاملة، يعرف كيف سقطت الدولة، ومن موّل، ومن خان، ومن تفاوض، ومن فتح الأجواء للناتو. لذلك لا يُستغرب أن تنتشر أخبار “محاولات تصفية” و”اختفاء” و”إقصاء أمني”، حتى إن لم تثبت رسميًا. في ليبيا، الشائعة سلاح، والإيحاء رسالة.
الجهات التي تخشى سيف الإسلام متعددة. في طرابلس، ترى فيه قوى الإسلام السياسي تهديدًا مباشرًا، لأنه يُسقط سردية “الثورة الطاهرة”، ويعيد فتح ملف الفوضى التي أنتجتها. في الشرق، لا تنظر بعض القوى العسكرية بعين الرضا إلى أي شخصية قد تنافسها على الشرعية أو النفوذ. أما الخارج، من تركيا إلى بريطانيا والولايات المتحدة، فليبيا بالنسبة له ليست دولة، بل خزان طاقة وساحة نفوذ، وأي لاعب غير مضمون يُعد خطرًا.
لهذا، لا يحتاج سيف الإسلام إلى أن يُقتل فعليًا. يكفي أن يُعزل، ويُطوَّق، ويُحوَّل إلى “شبح سياسي”. في ليبيا اليوم، الإقصاء لا يتم دائمًا بالرصاص؛ أحيانًا يتم بالصمت، وأحيانًا بالفوضى، وأحيانًا بتضخيم الخطر حول الشخص حتى يُصبح وجوده نفسه عبئًا على محيطه.
ما يجري ليس لغزًا، بل نتيجة منطقية لبلد لم تُنجز فيه مصالحة، ولم تُفتح فيه ملفات الحقيقة، ولم يُحاسَب فيه أحد. ليبيا التي لم تحاسب قتلة القذافي الأب، ولا من سلّم الدولة للناتو، ولا من موّل الميليشيات، لا يمكنها حماية أي شخصية سياسية، مهما كان وزنها.
السؤال الحقيقي إذًا ليس، هل قُتل سيف الإسلام القذافي؟ بل، لماذا كلما ذُكر اسمه، اهتزّت ليبيا؟ الجواب واضح، لأن الأزمة لم تُحل، ولأن الدولة لم تُستعد، ولأن من يحكم ليبيا اليوم يخشى السياسة أكثر مما يخشى الحرب.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
إبستين يفضح الغرب… ويعرّي صمت العرب!
بدأت الوثائق المرتبطة بملف رجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين، التي أُفرج عن أجزاء م…










