‫الرئيسية‬ الأولى شاب جزائري بدراجة هوائية ينسف الإشاعات حول أمن الجنوب
الأولى - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫17 دقيقة مضت‬

شاب جزائري بدراجة هوائية ينسف الإشاعات حول أمن الجنوب

شاب جزائري بدراجة هوائية ينسف الإشاعات حول أمن الجنوب
اكتشفت منذ سنوات شابًا جزائريًا من مدينة وهران يقوم سنويًا بجولات طويلة عبر الجزائر، وخاصة في الصحراء، بدراجته الهوائية وبمفرده، وسط كثبان الرمال المتحركة، متحديًا حرارة الصحراء القاسية وبرودتها الليلية والعزلة التي تفرضها المسافات الشاسعة. يفعل ذلك فقط لأنه يحب المغامرة والاستكشاف. لكن مثل هذه المغامرات في الجزائر، للأسف، لا تجلب عادة دعمًا ولا رعاية ولا حتى “سبونسور”، رغم ما تحمله من قيمة كبيرة في إبراز صورة البلاد.

متابعتي له هذه السنة كانت خاصة، لأن محمد رضا غويلب قرر هذه المرة خوض تحدٍ صعب يتمثل في قطع صحراء تنزروفت بدراجته الهوائية. ويبدو أن هذا التحدي كان يحضّر له منذ سنوات، فقد سبق له أن حاول عبورها عبر ممر رقان الخاضع للمراقبة الأمنية. غير أن السلطات حينها فضّلت أن يقطع تلك المسافة داخل مركبة آمنة. ورغم أن القرار لم يكن يرضيه في ذلك الوقت، إلا أنه كان قرارًا حكيمًا من الجهات الأمنية، بالنظر إلى طبيعة المنطقة وظروفها الخاصة، خاصة أن تلك الصحراء ما زالت تحمل إلى اليوم آثار التجارب النووية التي أجرتها فرنسا الاستعمارية في ستينيات القرن الماضي.

هذه السنة اختار مسارًا مختلفًا، حيث دخل الصحراء انطلاقًا من مدينة أدرار، متوغلاً داخل صحراء تنزروفت. وقد تمكن من قطع أول 200 كيلومتر دون أي إشكال، وها هو يواصل طريقه نحو برج باجي مختار، ولم يبق له سوى عدد محدود من الكيلومترات الصعبة. المرحلة الأولى من الرحلة كانت الأصعب، إذ قطع خلالها ثلاثة أيام كاملة دون أن يصادف أي شخص، ودون أن يلحق به أي أذى.

محمد رضا غويلب شاب شجاع من شباب الجزائر الذين يحبون التحدي والمغامرة. لقد قدم صورة حقيقية للعالم عن الجزائر كبلد آمن من شماله إلى أقصى جنوبه. فرغم أنه يجوب مختلف المناطق ليلًا ونهارًا بمفرده، لم يسجل طوال سنوات مغامراته أي حادث اعتداء. بل على العكس، يجد الترحيب أينما مرّ، وتتوقف السيارات والحافلات لتحيته والتقاط الصور معه، وهو ما يوثقه بدوره عبر قناته المتواضعة على وسائل التواصل الاجتماعي.

لقد قدّم رضا للعالم أجمل صورة عن الجزائر: بلد آمن وواسع وجميل، يتميز بتنوع مناظره الطبيعية ومناخه، وتصل فيه الطرقات إلى أبعد القرى في الجنوب. صحيح أن بعض الطرقات تحتاج إلى ترميم أو إعادة تهيئة، وهذا ما رصدته كاميرته خلال رحلاته، لكن الصورة العامة تبقى صورة بلد كبير وآمن ومفتوح أمام المغامرة والاكتشاف.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لا تحظى مثل هذه المبادرات بأي اهتمام أو دعم؟ لماذا لا يتم تشجيع مبادرات بسيطة لكنها تقدم صورة حقيقية عن بلدنا في كل ربوعه، وخاصة في الجنوب؟ في الوقت الذي كانت فيه الجزائر تتعرض لحملات تشويه تستهدف أمن الجنوب، كانت دراجة محمد رضا وكاميرته المتواضعة تقدمان الرد العملي على تلك الإشاعات.

من تندوف إلى بشار، ومن برج باجي مختار إلى إيليزي، وصولًا إلى تمنراست وتنزواتين، كان هذا الشاب يجوب تلك المناطق وحده ويقدم لمتابعيه صورًا حقيقية عن واقع الجنوب الجزائري. وهي مناطق شاسعة وآمنة يعيش فيها الناس حياتهم اليومية في هدوء بعيدًا عن الصورة المشوهة التي يحاول البعض الترويج لها.

لماذا لا تدعم الجزائر مثل هذه المبادرات التي تقوم بما قد تعجز عنه أحيانًا الحملات الإعلامية والدبلوماسية؟ لماذا هذا التهاون وعدم الاكتراث بما يقوم به شاب جزائري بسيط يقدم خدمة حقيقية لصورة بلده؟ لماذا لا يتم تقييم هذه التجربة ودعمها؟ ولماذا لا تساهم شركات وطنية كبرى مثل سوناطراك في رعاية مثل هذه المبادرات؟ أليست سمعة الجزائر وصورتها في الخارج مسألة تهم الجميع؟

بل لماذا لا يتم التفكير في مرافقة مثل هذه المبادرات رسميًا؟ فهذا الشاب يقدم صورة قوية عن أمن الجزائر، ويؤكد في كل مرة الدور الكبير للجيش الوطني الشعبي المنتشر عبر مختلف مناطق البلاد والساهر على أمنها واستقرارها.

متى سنبدأ في الاهتمام بالمواطن الجزائري الذي ينشط في مثل هذه المجالات؟ إلى متى يستمر التهميش لمثل هذه المبادرات؟ ماذا يكلف دعم شاب مثل محمد رضا؟ بالنسبة لشركة كبيرة مثل سوناطراك قد لا يتعدى الأمر بعض “الفليسات”، لكن في المقابل ما يقدمه هذا الشاب من صورة إيجابية عن الجزائر عبر العالم لا يقدر بثمن.

لقد زار محمد رضا غويلب أقصى مدن الجنوب على الحدود مع النيجر ومالي، ونقل لمتابعيه صورًا حقيقية عن أمن الجنوب الجزائري. لكن للأسف لا يجد الاهتمام ولا الدعم ولا الرعاية التي يستحقها، لأن معظم الاهتمام يتركز في الشريط الشمالي، بينما يبقى الجنوب العظيم بعيدًا عن الاهتمام الكافي رغم أهميته.

تحياتي من بروكسل لهذا الشاب المحترم، الذي مكنني من إرسال فيديوهاته لبعض الموظفين الأوروبيين الذين كانوا يسألون عن وضع الأمن في الجزائر. لقد صدموا عندما شاهدوا جزائريًا يشق رمال الصحراء وحده، ليلًا ونهارًا، بدراجة هوائية بسيطة. وهل توجد صورة أقوى عن أمن الجزائر من هذه؟

شكرًا لك يا رضا على الصورة الجميلة التي قدمتها عن بلدنا الجزائر وعن جنوبه العزيز. أنت تستحق منا كل الدعم والاحترام.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

ديمونا في مرمى التهديد: إيران تفتح أخطر سيناريو في الحرب مع “اسرائيل”

تبدو إيران وكأنها تبحث عن مخرج مختلف في مواجهة التصعيد المتواصل ضدها. فبدل اللجوء إلى استخ…