صحافة “بوس اليدين”… تُهوِّل بلا يقين وتُشوّه الجزائر بالبهتان المبين!
تواصل بعض المنابر الإعلامية المغربية، المعروفة في الأوساط المهنية والسياسية بتسميتها الدارجة “صحافة بوس اليدين”، وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تلعب الصحافة دورًا رقابيًا مهنيًا قائمًا على التحقق والبحث والتوثيق، الانزلاق نحو منحدر الدعاية الفجّة التي تستغل كل ملف داخلي جزائري، مهما كان عاديًا أو محدودًا، لتحويله إلى مادة جاهزة لتشويه المؤسسات الجزائرية على الصعيد الإقليمي والدولي. آخر هذه المحاولات تمثل في استغلال قضية موظّفين سابقين بالهلال الأحمر الجزائري—ياسين بن شطّاح وهاجر زيتوني—من أجل صناعة سردية إعلامية ضخمة تتحدث عن “اختلاس المساعدات الإنسانية الموجهة إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين” و“تعذيب المبلّغين”، وكأن الجزائر تقود منظومة كاملة من الفساد المنهجي، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا عن الصورة التي تحاول هذه الصحافة تسويقها.
اللافت أنّ هذه المنابر، التي ترفع شعار “التحقيق الاستقصائي”، تبني رواياتها كاملة على مصدر واحد فقط، وهو جهة تُطلق على نفسها اسم “منظمة شعاع لحقوق الإنسان”. وبقدر ما تحاول الصحافة المغربية تقديم هذه الجهة على أنها “منظمة دولية مستقلة تُتابع عن قرب قضايا حقوق الإنسان في الجزائر”، فإن الواقع يكشف عن صورة معاكسة تمامًا. فمنظمة “شعاع” ليست منظمة بالمعنى الحقوقي ولا الجمعوي ولا المهني، بل هي شركة خاصة صغيرة مسجّلة في بريطانيا تحت اسم “شعاع فور هيومن رايتس ليمتد”، حسب الوثائق الرسمية لهيئة تسجيل الشركات البريطانية “كومبانيز هاوس”. هذه الوثائق، التي تمتلك “المؤشر” نسخة منها والتي يمكن لأي مهتم الاطلاع عليها، تكشف غيابًا تامًا لأي مقومات للعمل الحقوقي، لا مقر، لا موظفون، لا خبراء، لا تقارير سنوية، لا ميزانيات، ولا أي نشاط فعلي. بل إن وثيقتها السنوية تتضمن عبارة واحدة تُكتب عادة للشركات غير النشطة: “الأنشطة المستقبلية ستكون قانونية”، وهي عبارة لا يقولها أي تنظيم حقوقي محترم، لأنها ببساطة لا تعني شيئًا.
وإذا كانت هذه المعطيات كافية للتشكيك في مصداقية “شعاع”، فإن الاضطراب الداخلي الذي تعيشه الشركة يزيد المشهد قتامة. فبتاريخ 22 ماي 2025، جرت إقالة مديرها السابق رشيد عوين بشكل مفاجئ وغير معلن، وفق وثيقة أخرى. وفي اليوم التالي مباشرة—23 ماي 2025—جرت تسمية مدير جديد يدعى محمد مخلّلاتي، وهو شخص مجهول تمامًا في الأوساط الحقوقية الدولية، لا يمتلك أي سجل في العمل الإنساني أو الحقوقي، ويحمل الجنسية الإيرلندية ويقيم في بريطانيا!. مثل هذا التغيير السريع، غير المعلل وغير الشفاف، يكشف أنّ “شعاع” ليست جهة مستقلة، بل منصة قابلة للتوجيه والاستخدام السريع حسب الطلب، وهو ما يطرح سؤالًا مهنيًا بسيطًا، كيف يمكن لصحافة أن تبني اتهامات بهذا الحجم اعتمادًا على جهة غير مؤهلة ولا شفافة ولا ذات صفة قانونية كمنظمة حقوقية؟
ورغم كل هذه المؤشرات الصارخة، تأخذ بعض المنابر المغربية تصريح “شعاع” كحقيقة مطلقة، وتعيد تدويره عشرات المرات، دون أن تحاول التحقق من السجلات الرسمية، أو حتى التواصل مع أي هيئة أممية للتأكد من صحة الادعاءات المتعلقة باختلاس المساعدات. فالمساعدات الموجهة إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين لا تشرف عليها الجزائر، بل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي، وهما جهتان تصدران تقارير دورية دقيقة منذ عقود. ولم يرد في أي تقرير أممي، لا في السنوات القريبة ولا البعيدة، أنّ هناك اختلاسًا أو تحويلًا للمساعدات في تندوف. فكيف يمكن لمنظمة أممية بقدرات لوجستيكية وميدانية ضخمة أن تغفل عن “اختلاس واسع”، بينما تكتشفه شركة بريطانية بلا موظفين تعمل من صندوق بريد؟
هذه الإشكالية المهنية تتعمق أكثر عندما يتعلق الأمر بادعاءات “تعذيب المبلّغين”. فقد اعتمدت الصحافة المغربية بشكل كامل على مقاطع فيديو نشرها بن شطّاح وزيتوني بعد خروجهما من السجن، دون التحقق من وجود تقرير طبي واحد، أو شهادة محامٍ، أو بلاغ رسمي، أو وثيقة من سجلات الطب الشرعي. نحن هنا لا نكذّب ولا نؤكد شهادات المعنيين—فمن الممكن نظريًا أن تكون هناك تجاوزات في الإجراءات، كما يحدث في عدة دول، وهو أمر يستوجب التحقيق بهدوء ومهنية—لكن تحويل شهادات غير موثقة إلى “قضية تعذيب ممنهج” دون أي دليل مادي هو سلوك يفتقر إلى المهنية ويعتمد على التضخيم الإعلامي بدل التحقق.
أما الجانب الأكثر تلاعبًا في تغطية هذه الوسائل المغربية، فهو تجاهلها للسياق القانوني الحقيقي للقضية. فملف بن شطّاح وزيتوني بدأ عندما تقدم الهلال الأحمر الجزائري—وهي مؤسسة إنسانية محترمة—بشكوى تتعلق بمنشورات وصفتها بالإساءة والتشهير ونشر معلومات كاذبة. وجرى وفقًا لذلك فتح تحقيق قضائي، ثم إحالة الملف إلى العدالة، وصدر حكم ابتدائي، ثم أعيد النظر فيه في الاستئناف. هذا المسار طبيعي في أي دولة تحترم القانون. لكن صحافة “بوس اليدين” قفزت فوق كل هذا، وقدمت القضية كحرب على “المبلّغين الشجعان”، مع أنّ أي دولة في العالم، بما في ذلك المملكة المتحدة التي يستندون إلى شركة مسجلة فيها، تعاقب التشهير الرقمي وتعتبره جريمة.
وهكذا، يتحول ملف قضائي عادي إلى حملة تضليل إعلامي تستهدف مؤسسات دولة ذات سيادة. وفي كل مرة، يثبت أن الإعلام المغربي الموالي يعمل بمنطق الكاميرا الانتقائية،يضخّم أي خلاف داخلي في الجزائر مهما كان صغيرًا، ويقدم روايات غير موثقة، ويمنح صفة “المنظمة الحقوقية الدولية” لجهات لا تمتلك حتى موقعًا إلكترونيًا محترمًا، بينما يتجاهل المعايير المهنية التي يفترض أن يقوم عليها العمل الصحفي.
إن القضية الحقيقية ليست في ملف الهلال الأحمر، ولا في الشكوى، ولا في تفاصيل المحاكمة، بل في هذا الانحراف المنهجي لدى صحافةٍ اختارت أن تتحول إلى أداة سياسية بدل أن تؤدي دورها المهني. وهذه الممارسة، التي تتكرر كلما حاول المغرب صناعة رواية جديدة ضد الجزائر، تكشف أن الهدف ليس الحقيقة، بل بناء صورة سوداء عن دولة جارة، باستخدام كل ما يمكن استخدامه ولو كان مستندًا إلى مصدر هشّ، غامض، غير شرعي حقوقيًا، ويفتقر إلى المصداقية المؤسسية. لتبقى الحقائق ثابتة، التحقيقات تُبنى على الأدلة، لا على بيانات شركات مجهولة. والاتهامات في مجال حقوق الإنسان تتطلب تقارير طبية وشهادات رسمية، لا فيديوهات فردية. وتقييم المساعدات الإنسانية يعتمد على تقارير الأمم المتحدة، لا على بيان مبهم لشركة مضطربة في لندن. أما الجزائر، فهي دولة تعالج قضاياها عبر مؤسساتها وقوانينها، لا عبر ردود الأفعال المتهورة، ولا تحتاج إلى تبرير نفسها أمام حملات تُبنى على مصادر واهية.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
فيديو مغربي يُستعمل لتشويه صورة الجزائريين!
انتشر خلال الساعات الأخيرة على نطاق واسع مقطع فيديو يُظهر مشاهد أبواق سيارات وألعابًا ناري…







