‫الرئيسية‬ الأولى عودة عثمان عريوات إلى الواجهة بفيلم «أنا بري وين»…
الأولى - فنون وثقافة - ‫‫‫‏‫3 أيام مضت‬

عودة عثمان عريوات إلى الواجهة بفيلم «أنا بري وين»…

عودة عثمان عريوات إلى الواجهة بفيلم «أنا بري وين»…
كشفت وزارة الثقافة والفنون الجزائرية، في إعلان رسمي طال انتظاره من قبل الفاعلين في الحقل الثقافي، عن القائمة النهائية للمشاريع الفنية المستفيدة من الدعم العمومي برسم سنة 2025، في خطوة تُعد من أبرز محطات السياسة الثقافية للدولة خلال السنوات الأخيرة. القائمة، التي شملت مجالات السينما والمسرح والموسيقى والفنون الأدائية، عكست توجّهًا واضحًا نحو تحريك عجلة الإنتاج الوطني بعد فترة من الركود، ومحاولة إعادة بناء الثقة بين المبدعين والمؤسسات، وبين الجمهور والمنتَج الثقافي المحلي.
عودة عثمان عريوات إلى الواجهة بفيلم «أنا بري وين»…
عودة عثمان عريوات إلى الواجهة بفيلم «أنا بري وين»…

وضمن هذه الخارطة الواسعة، التي ضمّت عشرات المشاريع بمراحل إنتاج مختلفة، برز حدث استثنائي شدّ الانتباه داخل الأوساط الفنية والإعلامية على حدّ سواء، تمثل في عودة الفنان والمخرج القدير عثمان عريوات إلى الواجهة السينمائية، عبر مشروع فيلمه الجديد «أنا بري وين»، المُدرج ضمن فئة الإعانة الخاصة بالأفلام الطويلة، بإنتاج مؤسسة «فجر فيلم». هذه العودة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد إضافة رقمية إلى قائمة دعم سنوية، بل باعتبارها حدثًا ثقافيًا ذا دلالة رمزية عميقة، يرتبط بمكانة عريوات في الذاكرة الجماعية للسينما الجزائرية، وبما يمثله اسمه من ثقل فني وتاريخي.

عريوات، الذي اختار الابتعاد طويلًا عن الأضواء وعن منطق الإنتاج المتكرر، ظل حاضرًا بقوة في وجدان الجمهور الجزائري من خلال أعمال رسخت في الوعي العام كنماذج للكوميديا الاجتماعية الذكية، التي تمزج السخرية بالنقد دون مباشرة أو ابتذال. أعماله السابقة لم تكن مجرد منتجات ترفيهية، بل خطابًا سينمائيًا ساخرًا يقرأ المجتمع من الداخل، ويُعرّي تناقضاته بأسلوب بسيط في شكله، عميق في دلالاته. ومن هنا، فإن عودته اليوم تُقرأ باعتبارها استعادة لصوت فني اختار الصمت حين فقدت السينما كثيرًا من شروطها، ويعود حين بدأت هذه الشروط تُعاد صياغتها.

اختيار عنوان «أنا بري وين» ليس تفصيلًا عابرًا في هذا السياق. العنوان وحده يحمل شحنة دلالية كثيفة، تُحيل إلى سؤال البراءة والاتهام، الفرد والمؤسسة، الهامش والمنظومة، وهي ثيمات لطالما شكّلت جوهر مشروع عريوات الفني. العنوان يبدو امتدادًا طبيعيًا لخطاب اشتغل دائمًا على المفارقة، وعلى مساءلة الواقع من زاوية إنسان بسيط يجد نفسه عالقًا داخل شبكة معقدة من القوانين، الأعراف، والاختلالات الاجتماعية. وهو ما يجعل التوقعات عالية بشأن طبيعة المعالجة الدرامية واللغوية التي سيقترحها الفيلم.

ووفق ما يُتداول داخل الوسط السينمائي، فإن «أنا بري وين» يُراهن على طرح قضايا معاصرة بأسلوب يجمع بين الكوميديا النقدية والبعد الإنساني، دون السقوط في الخطاب المباشر أو الوعظي. هذا الخيار الفني ينسجم مع المسار المعروف لعريوات، الذي بنى خصوصيته على فن يضحك المتلقي، لكنه لا يُفرغه من التفكير، ويُمتع دون أن يُسطّح القضايا المطروحة. إدراج الفيلم ضمن قائمة المشاريع المدعّمة يمنحه هامشًا إنتاجيًا مريحًا، ويُقلّص الضغوط التجارية، ما يفتح المجال أمام عمل أقرب إلى «الفيلم المؤلف» الذي يعبّر عن رؤية صاحبه دون تنازلات شكلية.

حضور اسم عثمان عريوات داخل قائمة دعم 2025 منح هذه الأخيرة وزنًا خاصًا، وأعاد النقاش حول جدوى الدعم العمومي ودوره في إعادة الاعتبار للأسماء المؤسسة للسينما الوطنية. فالكثير من المتابعين رأوا في هذه العودة مؤشرًا على تحوّل نسبي في سياسة الدعم، باتجاه تشجيع مشاريع تجمع بين القيمة الفنية والقدرة على التواصل مع الجمهور، بدل الاكتفاء بأعمال نخبوية محدودة التأثير أو تجارية بلا مضمون.

خارطة الأفلام الطويلة المدعّمة لعام 2025 تؤكد هذا التوجه، إذ ضمّت أسماء وتجارب متنوعة، من بينها «Sablothérapie» لمرزاق علواش، «A l’ombre des absents» لأنيس جعاد، «La dernière saison» لعلي موزاوي، إضافة إلى أعمال أخرى تعكس تنوعًا في الأساليب والمواضيع. هذا التنوع، وإن كان لا يضمن تلقائيًا جودة المنتَج النهائي، إلا أنه يعكس حيوية نسبية في المشهد، ومحاولة لخلق توازن بين الأجيال والتجارب.

كما شملت القائمة دعمًا معتبرًا للأفلام الوثائقية التي تعالج مواضيع تاريخية وثقافية، في تأكيد على أهمية الصورة في حفظ الذاكرة الوطنية، وعلى دور السينما الوثائقية في إعادة قراءة التاريخ والشخصيات المفصلية بعيدًا عن التبسيط أو التقديس. وفي موازاة ذلك، جاء دعم قطاع المسرح، للكبار والصغار، ليؤكد شمولية الرؤية الثقافية، ووعيها بضرورة الاستثمار في التكوين والانتشار الجغرافي للفعل المسرحي.

من زاوية مهنية أوسع، تُعد عودة عثمان عريوات فرصة لإعادة طرح سؤال العلاقة بين الرمز والمؤسسة، وبين الخبرة المتراكمة والجيل الجديد من السينمائيين. فوجود اسم بحجم عريوات داخل مسار إنتاج مدعوم يخلق مساحة للتلاقي بين أجيال مختلفة من الممثلين والتقنيين، ويسمح بنقل الخبرة، وإعادة بعث تقاليد مهنية طالما شكّلت قوة السينما الجزائرية في مراحلها الذهبية.

أبعد من ذلك، تحمل هذه العودة بعدًا رمزيًا يتجاوز السينما نفسها. فهي تذكير بأن الثقافة ليست مجرد أرقام دعم أو رزنامة مهرجانات، بل مسار تراكمي تصنعه الأسماء التي استطاعت أن تترك أثرًا حقيقيًا في الوعي الجمعي. كما تُعيد التأكيد على أن الرموز الثقافية، حين تتوفر لها الظروف الإنتاجية والاحترام المؤسسي، قادرة على الإسهام في صياغة الحاضر، لا الاكتفاء بدور الذاكرة.

يبقى فيلم «أنا بري وين» من بين أكثر الأعمال المنتظرة في المرحلة المقبلة، ليس فقط لأنه يُعلن عودة فنان غاب طويلًا، بل لأنه يعيد طرح سؤال جوهري حول مكانة الرموز في المشهد الثقافي الجزائري، وحول قدرة السينما الوطنية، بدعم عمومي مدروس، على استعادة دورها كفضاء للنقاش، والذاكرة، والنقد الذكي، بعيدًا عن الاستهلاك السريع والرهانات الظرفية. وفي هذا المعنى، فإن عودة عثمان عريوات ليست خبرًا فنيًا فحسب، بل حدثًا ثقافيًا بامتياز.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

تفكيك شبكات دولية وحجز أزيد من 4,3 ملايين قرص مهلوس و8 قناطير من المخدرات

واصلت وحدات الجيش الوطني الشعبي، بمختلف مكوناته، توجيه ضربات موجعة لشبكات الجريمة المنظمة …