قانون المرور الجديد في الجزائر… الحكومة تفتح باب المراجعة في ضوء ملاحظات المهنيين
أعلنت الحكومة الجزائرية، أمس السبت، استعدادها لإجراء مراجعة سريعة وعاجلة لمشروع قانون المرور الجديد، وذلك على خلفية ملاحظات وانشغالات عبّر عنها مهنيون في قطاع النقل، تتعلق بطبيعة بعض التدابير والعقوبات الواردة في النص، والتي اعتُبرت من طرفهم مشددة ولا تعكس بشكل كامل واقع المهنة وظروف ممارستها.
وجاء هذا التوضيح في بيان صادر عن وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل، عقب اجتماع تشاوري ضم ممثلين عن نقابات الناقلين وسائقي سيارات الأجرة واتحاد التجار، حيث أكد البيان أن مشروع قانون المرور “لا يزال قيد الدراسة ضمن المسار التشريعي المعتمد، ويبقى قابلًا للإثراء في ضوء الملاحظات والاقتراحات المقدمة”. ويعني ذلك، من الناحية الإجرائية، أن النص لم يدخل بعد حيز التنفيذ، ولا يزال قابلًا للتعديل قبل عرضه على الغرفة العليا للبرلمان، مجلس الأمة، للمناقشة والتصويت.
ويأتي هذا التطور بعد تسجيل توقفات مؤقتة عن العمل لدى بعض مهنيي النقل في ولايات من الشمال والوسط، وهو ما أدى إلى اضطرابات محدودة في حركة نقل السلع والبضائع. وقد أكدت مصادر مهنية أن هذه التوقفات جاءت في إطار التعبير السلمي عن الانشغالات، دون تسجيل أي أعمال عنف أو تجاوزات من شأنها المساس بالأمن أو النظام العام.
سياسيًا، تفاعلت عدة أطراف مع الجدل الدائر حول مشروع القانون. واعتبر الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، منذر بودن، أن النقاش العمومي حول قانون المرور “ظاهرة صحية” تعكس حيوية العلاقة بين المواطن والمؤسسة التشريعية والحكومة، مشددًا على أن أي إصلاح تشريعي يجب أن يكون قابلًا للنقاش والتعديل، بما يضمن تحقيق الأهداف المرجوة دون الإضرار بالفئات المعنية.
من جهتهم، عبّر ممثلو مهنيي النقل عن رفضهم لوصفهم بـ”إرهاب الطرقات”، معتبرين أن هذا المصطلح لا يعكس واقع عملهم ولا التضحيات التي يقدمونها. وأوضح المتحدث باسم سائقي شاحنات النقل العام، محمد مخلوف، أن السائقين يشكلون ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني والحركية الاجتماعية، ويعملون في ظروف صعبة، تشمل التنقل لمسافات طويلة، وقضاء أيام بعيدًا عن العائلة، وعبور مناطق صحراوية في ظل تدهور بعض الشبكات الطرقية وارتفاع تكاليف الصيانة وقطع الغيار، خاصة العجلات المطاطية.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن بعض الغرامات المنصوص عليها في المشروع تتجاوز أربع أو خمس مرات الحد الأدنى للأجر الوطني المضمون، وهو ما اعتبره غير متناسب مع القدرة الشرائية الحالية، مطالبًا بإعادة النظر في سلم العقوبات بما يحقق الردع دون المساس بمصدر رزق السائقين أو استقرارهم الاجتماعي.
وفي السياق نفسه، أكدت منظمة الناقلين، في بيان صدر عقب الاجتماع مع وزارة الداخلية، أن من بين نتائج اللقاء التأكيد على أن مشروع قانون المرور غير مطبق في الوقت الراهن، وأنه سيتم تقديم اقتراحات تفصيلية لاحقًا من أجل إدخال تعديلات تأخذ بعين الاعتبار واقع المهنة. كما أعلنت نقابة سائقي سيارات الأجرة أنه تم الاتفاق مبدئيًا على مراجعة بعض بنود النص بما يراعي خصوصيات نشاط النقل الحضري وشبه الحضري.
ويُذكر أن الغرفة السفلى للبرلمان كانت قد صادقت، قبل أسبوعين، على مشروع قانون المرور، الذي تضمن تشديدًا في العقوبات المتعلقة بمخالفات السير، من بينها غرامات مالية مرتفعة وعقوبات سالبة للحرية في حالات معينة، حيث نص المشروع على فرض غرامة مالية ثقيلة عند استعمال الهاتف النقال أثناء القيادة، مع إمكانية الحبس لمدة تصل إلى أربع سنوات في حال التسبب في حادث مرور.
كما أبدى مزارعون تحفظهم على بعض أحكام القانون، خاصة في المناطق الريفية، حيث تفرض ظروف النقل في كثير من الأحيان تجاوز العدد القانوني للركاب، بسبب نقص وسائل النقل، وهو ما يطرح، حسبهم، إشكالية التطبيق الحرفي للنص دون مراعاة الخصوصيات المحلية.
وكانت الحكومة قد بررت، في وقت سابق، توجهها نحو تشديد قانون المرور بتزايد حوادث السير وحالات التسيب في القيادة، مشيرة إلى الأرقام المقلقة المسجلة سنويًا. وفي هذا الإطار، كشفت مصالح الحماية المدنية، في حصيلة أولية لسنة 2025، عن تسجيل 323 حادث مرور خلال شهر ديسمبر الماضي، أسفرت عن وفاة سبعة أشخاص وإصابة 416 آخرين، ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه السلطات في مجال السلامة المرورية.
وبين مطلب تعزيز الأمن على الطرقات وضرورة مراعاة الواقع الاجتماعي والمهني للعاملين في قطاع النقل، يبدو أن الحكومة اختارت مسار الحوار والمراجعة، في انتظار الصيغة النهائية لمشروع قانون المرور، التي يُفترض أن تحقق توازنًا بين الردع القانوني وحماية النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
انفجار غضب بعد الفوز: ماذا حدث لبغداد بونجاح عقب مباراة السودان؟
رغم البداية الموفقة للمنتخب الجزائري في كأس أمم إفريقيا 2025 والفوز العريض على السودان بثل…






