“قوائم الخيانة”… بين التسريبات المشبوهة والأبواق المأجورة
روّج عدد من المرتزقة الجزائريين المقيمين في الخارج، خلال الأيام الماضية، لما وصفوه بـ”تسريبات خطيرة” تتعلق بقائمة تضم أسماء مسؤولين جزائريين يزعم أن السلطات الفرنسية بصدد تجميد أصولهم وممتلكاتهم. وقد جاءت هذه المزاعم في سياق متزامن مع ما نشرته صحيفة L’Express الفرنسية، التي تحدثت عن دراسة فرنسية رسمية لتجميد أصول حوالي 20 شخصية جزائرية في إطار ما وصفته برد دبلوماسي على توتر العلاقات مع الجزائر.
غير أن ما تم الترويج له عبر منصات التواصل الاجتماعي، من قِبل شخصيات مثل عبدو سمار، ومحمد العربي زيتوت، وهشام عبود، وأمير ديزاد، وأنور مالك، لا يتعدى في حقيقته اجتهادات إعلامية غير موثقة لا تعتمد على أي مرجع رسمي صادر عن السلطات الفرنسية، سواء وزارة الاقتصاد أو الداخلية أو القضاء.
لم تُصدر فرنسا، حتى اللحظة، أي قائمة بأسماء المعنيين المفترضين بهذه الإجراءات. كما لم تُنشر في الجريدة الرسمية أو عبر مواقع رسمية حكومية فرنسية أي إشارة قانونية تؤكد وجود هذه القائمة. وهذا ما يجعل من الخوض في “أسماء” وتداولها على العلن، ممارسة بعيدة كل البعد عن المعايير المهنية التي تتطلب التحقق المزدوج من المصدر، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمسؤولين رسميين.
من حيث الشكل، جاءت معظم “التسريبات” المنشورة عبر فيديوهات مباشرة وتغريدات مضخّمة، دون أي سند موثق، بل بالاستناد إلى “مصادر خاصة” مجهولة، وهي طريقة كثيرًا ما تم استخدامها في السنوات الماضية لتضليل الرأي العام الجزائري بملفات ثبت لاحقًا عدم صحتها أو تحريفها.
يُقيم معظم هؤلاء المعارضين في دول أوروبية، أبرزها فرنسا وبريطانيا، ويتمتع بعضهم بصفة “لاجئ سياسي”، ما يمنحهم حماية قانونية تحول دون تسليمهم إلى الجزائر، وفق الاتفاقيات الدولية كاتفاقية جنيف 1951. غير أن هذه الصفة لا تتيح قانونيًا ولا أخلاقيًا استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لبث أخبار غير موثقة، خاصة إذا كانت تمس بصورة مباشرة أمن الدولة الجزائرية ومؤسساتها.
وقد سبق للعديد من المتخصصين في الإعلام الرقمي أن كشفوا ضعف المصداقية في بعض المقاطع التي نشرت من قبل هؤلاء، سواء عبر غياب تواريخ واضحة أو تقديم مقاطع مجتزأة أو بدون مصادر رسمية واضحة.
من الناحية التحليلية، فإن تداول قائمة بهذا الشكل العشوائي يضعنا أمام فرضيتين:
إذا كانت المعلومات صحيحة، فهي على الأرجح ناتجة عن تسريب غير قانوني من داخل مؤسسات الدولة الفرنسية، وهنا يجب التساؤل: كيف وصلت هذه المعلومات إلى شخصيات معروفة بانتقادها للنظام الجزائري؟ وهل هناك تعاون أو تنسيق خفي مع دوائر استخباراتية أجنبية؟ هذا ما لا يمكن تأكيده دون تحقيق قضائي دولي، لكن يُطرح كفرضية واقعية تستحق الانتباه.
أما إذا كانت القائمة لا أساس لها من الصحة، فإننا أمام محاولة تضليل كبرى، هدفها بث الفوضى وزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، في توقيت سياسي حرج يشهد فيه الحراك الدبلوماسي الجزائري إعادة رسم لمكانة البلاد إقليميًا ودوليًا.
وفي الحالتين، يبقى الضرر قائمًا، إما من خلال خيانة مهنية بتسريب وثائق سيادية، أو فوضى إعلامية بفبركة الوقائع وتضليل الجمهور.
المفارقة المؤسفة أن السلطات الفرنسية، التي يروج لها أنها تفتح ملفات فساد تخص مسؤولين جزائريين، لم تتعاون حتى اليوم في تنفيذ 51 إنابة قضائية دولية وجهتها الجزائر عبر وزارة العدل، كما لم تستجب لطلبات تسليم عدد من الأشخاص المحكوم عليهم نهائيًا في قضايا فساد مالي. وهذا ما يطرح علامات استفهام كبرى حول جدية باريس في محاربة تهريب الأموال، خاصة حينما يتعلق الأمر بشخصيات لم تعد تحظى بالغطاء الرسمي داخل الجزائر.
كما أن تغاضي السلطات الفرنسية عن وجود هؤلاء المتورطين على أراضيها، بل ومنح بعضهم حق اللجوء أو تسهيلات قانونية، يتناقض تمامًا مع مبدأ التعاون القضائي، ويطرح علامات استفهام حول توظيف ملف “الأموال الجزائرية” كورقة ضغط سياسي، أكثر من كونه التزامًا قانونيًا.
لقد أظهر الشعب الجزائري، خلال السنوات الأخيرة، وعيًا متقدمًا أمام موجات التضليل الإعلامي. وصار يُميّز بين من يقدم المعلومة بحياد ومسؤولية، ومن يستخدم “المنفى” كمنصة لتصفية الحسابات أو لخدمة أجندات غير وطنية.
أصبح من الواضح أن بث الذعر والشك عبر “يوتيوب”، أو “تيك توك”، أو “تويتر”، لا يندرج ضمن حرية التعبير، بل يُستغل لغايات سياسوية ضيقة لا علاقة لها بمصالح الجزائريين ولا بحماية المال العام. إن الترويج لقوائم غير رسمية تتعلق بمسؤولين في الدولة، دون تحقق، ودون وثائق، وفي توقيت شديد الحساسية، يُعد ممارسة لا تليق بأدبيات المعارضة الحقيقية، بل يندرج في إطار مشروع تضليلي مدروس، يخدم مصالح جهات خارجية. أما الجزائر، فهي تملك من الوسائل القانونية والدبلوماسية ما يكفي لمواجهة الضغوط، دون حاجة إلى التورط في الرد على أبواق مأجورة، تجاوزت حدود الأخلاق والمهنية، وجعلت من التشكيك والتشويه وظيفة يومية.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
فيديو مغربي يُستعمل لتشويه صورة الجزائريين!
انتشر خلال الساعات الأخيرة على نطاق واسع مقطع فيديو يُظهر مشاهد أبواق سيارات وألعابًا ناري…







