لماذا تسعى باريس إلى زجّ الجزائر في “محور الشر”؟
أثار تصريح المدعي الوطني لمكافحة الإرهاب في فرنسا، أوليفييه كريستن، بشأن وجود قضايا مفتوحة تندرج ضمن ما وصفه بـ“إرهاب الدولة”، وتشمل ملفات مرتبطة بكل من روسيا وإيران والجزائر، موجة من التساؤلات والانتقادات، خاصة وأن الأمر لا يتعلق بأحكام قضائية نهائية، بل بتحقيقات جارية لم تُعرض تفاصيل أدلتها بشكل كامل للرأي العام.
ورغم ذلك، جرى تقديم هذه المعطيات في بعض الأوساط وكأنها إدانة جاهزة لدول بعينها، وهو ما يطرح إشكالًا حقيقيًا حول الخلط بين التحقيق القضائي والتوظيف السياسي. فالتحدث عن “إرهاب الدولة” في هذه المرحلة، دون صدور أحكام قضائية نهائية أو عرض أدلة قاطعة، يفتح الباب أمام قراءات تتجاوز الإطار القانوني.
والأكثر إثارة للانتباه هو هذا التباين في المعايير، حيث يتم توجيه خطاب شديد الحدة تجاه دول معينة، في وقت لا يُستخدم فيه نفس التوصيف في ملفات أخرى لا تقل خطورة. فعلى سبيل المثال، ورغم أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ومسؤولين آخرين على خلفية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثقة في غزة، إلا أن هذه الأفعال لا تُوصف بنفس المصطلحات في الخطاب السياسي والإعلامي الفرنسي، ما يعكس ازدواجية واضحة في المعايير.
وفي ما يتعلق بالجزائر، فإن الملف الأكثر تداولًا في هذا السياق هو قضية أمير بوخورص، وهو ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي، محل أحكام قضائية صادرة في حقه ويُقدَّم باعتباره فارًا من العدالة، خلافًا للصورة التي يُقدَّم بها في بعض الأوساط الفرنسية كـ”معارض سياسي”.
وقد تعرّض المعني لواقعة اختطاف في ضواحي باريس بتاريخ 29 أبريل 2024، قبل أن يُفرج عنه بعد نحو 27 ساعة. غير أن هذه الواقعة، رغم خطورتها، لا تزال محل تحقيق قضائي، ولم يُحسم توصيفها بشكل نهائي. فبينما تدرس السلطات الفرنسية، حسب الرواية التي تقدمها جهاتها القضائية والأمنية، فرضيات ذات طابع منظم وربما سياسي، فإن هذه الفرضيات لم تتحول بعد إلى نتائج قضائية نهائية، ما يجعل استخدامها لتأسيس استنتاجات واسعة بشأن “إرهاب دولة” أمرًا يفتقر، في هذه المرحلة، إلى السند القانوني الحاسم.
كما أن ما يتم تداوله بشأن تورط أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بتمثيليات رسمية جزائرية يبقى، إلى حد الآن، في إطار التحقيقات والاشتباه، دون إثبات قضائي نهائي يحدد طبيعة هذه العلاقة أو يثبت وجود قرار رسمي صادر عن الدولة الجزائرية. وهو ما يجعل الانتقال من الاشتباه الفردي إلى اتهام دولة كاملة قفزة غير مبررة قانونيًا.
وفي المقابل، يزداد المشهد تعقيدًا مع التناقض الظاهر داخل مؤسسات الدولة الفرنسية، حيث تتزامن هذه التصريحات مع مؤشرات على استئناف التعاون الأمني بين باريس والجزائر، وهو ما أعلنه لوران نونيز. هذا التباين في الخطاب يطرح تساؤلات حقيقية حول تعدد مراكز القرار داخل الدولة الفرنسية، واختلاف الأجندات بين مؤسساتها.
بل إن السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه اليوم هو، ماذا تريد فرنسا من الجزائر؟ فالواضح أن هناك حالة من التناقض في التعامل، بين خطاب يتحدث عن شبهات خطيرة، وخطاب آخر يشيد بالتعاون الأمني، وهو ما يعكس غياب انسجام في المقاربة، ويفتح الباب أمام فرضيات تتجاوز البعد القضائي.
إن إدراج الجزائر في هذا السياق، إلى جانب روسيا وإيران، لا يمكن فصله عن بيئة دولية متوترة، وعن محاولات إعادة تشكيل محاور جيوسياسية جديدة، تعيد إلى الأذهان مفاهيم قديمة مثل “محور الشر” الذي ارتبط بخطاب جورج بوش الابن. وهو ما يثير تساؤلات حول الخلفيات السياسية لمثل هذا الطرح.
كما أن وضع الجزائر في هذا السياق يحمل مفارقة واضحة، فهي من الدول التي عانت بشكل مباشر من الإرهاب خلال التسعينيات، وخاضت حربًا طويلة ومكلفة ضده، وهو ما يجعل ربطها اليوم بمثل هذه الاتهامات أمرًا يثير الاستغراب، ويستدعي قراءة أعمق.
وفي البعد الاستراتيجي، لا يمكن تجاهل أن الجزائر، إلى جانب روسيا وإيران، تُعد فاعلًا مهمًا في معادلات الطاقة والتوازنات الإقليمية، وهو ما يجعلها في موقع حساس ضمن التحولات الجيوسياسية الحالية.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي السعيد شنقريحة أهمية خاصة، حيث حذر من التحولات الدولية المتسارعة، ومن عودة منطق القوة في إدارة النزاعات، وهو ما يستدعي درجة عالية من اليقظة.
كما أن تصريحات مسؤولين دوليين، من بينهم دميتري ميدفيديف، حول احتمالات التصعيد، تعكس مناخًا دوليًا يتجه نحو مزيد من التوتر، وهو ما يزيد من حساسية مثل هذه الملفات.
فإن ما يجري لا يمكن اعتباره مجرد مسار قضائي عادي، بل هو جزء من سياق دولي معقد تتداخل فيه السياسة بالقضاء، والإعلام بالأمن. وبين هذا وذاك، تبقى الحاجة ملحة إلى مقاربة أكثر دقة وتوازنًا، تفصل بين ما هو مثبت قضائيًا وما يدخل في إطار التأويل السياسي، تفاديًا لانزلاق مفاهيم حساسة كالإرهاب إلى مجالات توظيف تتجاوز حدودها القانونية.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
هل يتهرّب ترامب من الحرب؟
تداولت مختلف وسائل الإعلام الأمريكية تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أشار فيها إلى ا…






