مشروع “تل أبيب المغاربية” يمر عبر الصحراء الغربية… فهل ينهار المخزن من الداخل؟
انزلقت مواقف الدول الغربية الكبرى ـ وفي مقدّمتها الولايات المتحدة، فرنسا، وبريطانيا ـ خلال السنوات الأخيرة، من خطابٍ حذرٍ يراعي ظاهر الشرعية الدولية، إلى مواقف صريحة تُشرعن احتلالًا مقنّعًا للصحراء الغربية، وتُجهز على مبدأ تقرير المصير، الذي ظلّ حجر الزاوية في التعاطي الأممي مع هذا الملف لعقود.
فرنسا، كما هي عادتها في سوابقها الاستعمارية، كانت السبّاقة إلى الخروج عن التوافق الدولي. ففي صيف 2024، وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسالة رسمية إلى الملك المغربي محمد السادس، يؤكد فيها أن بلاده “تعترف بمخطط الحكم الذاتي المغربي كأساس وحيد لحل سياسي”، بل ويضيف أن “فرنسا تعتزم الدفاع عن هذا التوجه بشكل منسجم على المستويين الوطني والدولي”. تصريحٌ صادم لم تتأخر الجزائر في الرد عليه، معتبرة إيّاه “قرارًا غير منتظر”، و”خطأ فادحًا ستكون له نتائج كارثية”، كما جاء على لسان الرئيس عبد المجيد تبون في مقابلة مع صحيفة “لوبينيون” الفرنسية.
تبع ذلك إعلانٌ بريطاني لا يقل خطورة، حين صرّح وزير الخارجية ديفيد لامي، من قلب الرباط، في يونيو 2025، أن بلاده تعتبر خطة الحكم الذاتي “الحل الأكثر واقعية ومصداقية”. ورغم محاولة لندن التخفيف من وقع التصريح بعدم الاعتراف المباشر بـ”السيادة المغربية”، فإن الموقف البريطاني حمل دلالات سياسية واستراتيجية عميقة، لا سيما في سياق التنسيق مع مراكز أبحاث صهيونية مثل Chatham House وPolicy Exchange، المعروفة بارتباطها الوثيق بمصالح الاحتلال.
لكن بداية هذا التحول لم تكن لا في باريس ولا في لندن، بل في واشنطن، عندما قررت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، في ديسمبر 2020، الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل تطبيع شامل مع “إسرائيل”. وقد حافظت إدارة بايدن على هذا القرار، بشكل مبطن، دون مراجعة جدية، مكتفية بعبارات فضفاضة عن دعم مسار الأمم المتحدة.
غير أن قراءة هذه التحولات لا يمكن أن تنفصل عن المشروع الاستراتيجي الأكبر، تفكيك المغرب من الداخل، لا دعمه من الخارج. فالمخزن ـ بسياساته المتعنّتة وتمسكه بأراضٍ لم تكن يومًا جزءًا من تاريخه الطبيعي ـ فتح الباب واسعًا أمام مخطط استعماري، يتسلّل من خلال ورقة الصحراء. لم تكن “الصحراء المغربية” هي الحلّ، بل كانت البوابة التي فتحت على مصراعيها لتفكيك المغرب نفسه، من الجنوب إلى الشمال، وتحويله إلى فضاء هش تتقاسمه القوى الخارجية.
فالخطة الغربية لا ترمي إلى تقوية المغرب، بل إلى دفعه تدريجيًا نحو التمزّق الذاتي، حكم ذاتي مفخّخ في الجنوب، وبوادر انفصال في الريف الشمالي، ومخزن عاجز في الوسط، يُدار من الخارج ولا يتحكم حتى في قراراته الأمنية. ومع كل اعتراف غربي بخطة الحكم الذاتي، يتقدّم المشروع خطوة جديدة نحو الهدف الأخطر، إنشاء كيان صهيوني بديل على الأراضي المغربية، يُستقبل فيه المتطرفون المطرودون من فلسطين عند قيام الدولة الفلسطينية.
ولأن الغرب ـ وفي مقدمته الولايات المتحدة ـ لا يسعى إلا لضمان أمن “إسرائيل” طويل الأمد، فإن فرض حل الدولتين بات حتميًا، لكن بشرط واحد، طرد الجناح الصهيوني المتطرف. وهنا يبرز المغرب كخيار جغرافي استراتيجي، لتحويله إلى “تل أبيب جديدة” بواجهة مغربية وتمويل خليجي وإشراف استخباراتي مشترك. وقد بدأت ملامح هذا المشروع تظهر عبر إخلاءات عقارية غامضة في المغرب، نشاط مشبوه لشركات أمنية صهيونية، قواعد مراقبة، واستثمارات عقارية مغلفة بالخطاب التنموي.
الجزائر، لم تكتف بالتعبير عن رفضها الدبلوماسي، بل أبدت موقفًا واضحًا يشير إلى أن أي تموضع خارجي محتمل على حدودها لن يُفهم إلا كتهديد مباشر لأمنها القومي. وبالعودة إلى مسارها التاريخي، فإن الجزائر التي خاضت أطول ثورة تحررية ضد استعمار غربي دموي، لن تتعامل بليونة مع مشهد قد يُعيد إنتاج الخطر ذاته في شكل جديد.
الرئيس عبد المجيد تبون لم يُخفِ قلقه حيال التطورات المتسارعة، وأشار صراحة إلى أن الجزائر ترد على الأفعال لا على التصريحات، وتقرأ التحركات الميدانية أكثر من الخطابات. وفي الوقت الذي يتحدث فيه النظام المغربي عن “وحدة ترابية”، فإن سياساته التوسعية السابقة – ومن بينها تأخره في الاعتراف باستقلال موريتانيا حتى عام 1972، وفتح قنوات علنية للتطبيع الأمني – كانت أول من ساهم في تقويض هذه الوحدة على المدى البعيد.
وفي خضم هذا الانزلاق الغربي الواضح نحو شرعنة واقع استعماري جديد، تبقى الجزائر اليوم، في تقدير العديد من المتابعين، الحصن الإقليمي الأبرز الذي لم يتورط في لعبة المحاور، ولا في صفقات مشبوهة. فهي تواصل الدفاع عن خيار الاستفتاء كحل وحيد للنزاع في الصحراء الغربية، وتُحذّر من تداعيات إفراغ مبدأ تقرير المصير من محتواه.
وإن كانت معالم مشروع التقسيم في المنطقة قد بدأت في التكوّن، فإن السيناريوهات المطروحة توحي بأن الجزائر – بما تملكه من خبرة دبلوماسية، ومكانة إقليمية، وقدرات سيادية – قد تكون في موقع الفعل لا ردّ الفعل، في حالة ما إذا فُرض أمرٌ واقع يستهدف استقرارها الاستراتيجي.
فالجزائر، في هذا السياق، ليست سلعة سياسية في مزاد النفوذ، ولا لاعبًا يمكن احتواؤه بسهولة. بل تُشكّل ـ وفق مقاربة تحليلية واقعية ـ الفاعل الإقليمي الوحيد القادر على إحداث توازن رادع في معادلة معقّدة تتجاوز حدود الصحراء، وتعيد رسم خرائط التحالفات من جديد.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
فيديو مغربي يُستعمل لتشويه صورة الجزائريين!
انتشر خلال الساعات الأخيرة على نطاق واسع مقطع فيديو يُظهر مشاهد أبواق سيارات وألعابًا ناري…







