‫الرئيسية‬ الأولى ملاحظات عابرة حول الإعلام والمسؤولية
الأولى - الافتتاحية - رأي - ‫‫‫‏‫11 دقيقة مضت‬

ملاحظات عابرة حول الإعلام والمسؤولية

ملاحظات عابرة حول الإعلام والمسؤولية
يُسجَّل لوزارة الاتصال أنها تحرص، منذ فترة، على تكثيف اللقاءات مع الأسرة الإعلامية، وآخرها اللقاء الذي جمع الوزير بمسؤولي المواقع الإلكترونية المعتمدة. لقاء في شكله عادي، وفي مضمونه مألوف حوار، إشادة بالدور، تذكير بالمسؤولية، وحديث عن معركة الوعي. عناصر تكاد تشكّل القالب الجاهز لأي لقاء من هذا النوع.

لا شيء يلفت الانتباه كثيرًا في الخطاب، ولا شيء يخرج عن السياق العام الذي اعتاده الإعلاميون. بل يمكن القول إن الكلمات قيلت بهدوء، وبنبرة توحي بأن الأمور تسير في اتجاه مضبوط، وأن القطاع يعرف طريقه، أو على الأقل يُفترض أنه يعرفه.

غير أن الإعلام، كما يعرف من يشتغل فيه، لا يُقاس بما يُقال في القاعات، بل بما يحدث خارجها. فهناك دائمًا مسافة بين الخطاب والممارسة، بين النوايا والآليات، وبين ما يُراد قوله وما يُفهم فعليًا. وهذه المسافة هي التي تصنع أحيانًا الإحساس بالاطمئنان… أو العكس.

الحديث المتكرر عن محاربة الأخبار الكاذبة، وعن ضرورة التصدي للتضليل، يبدو منطقيًا في زمن السرعة والفضاء المفتوح. لكنه يظل ناقصًا ما لم يُرفق بسؤال أوسع، لا يُطرح عادة في مثل هذه اللقاءات، كيف نحصّن المنظومة نفسها؟ ليس من الخطاب، بل من الانزلاقات التي عرفها القطاع في فترات سابقة، حين لم يكن المشكل في الخبر، بل في البيئة التي يُنتج فيها الخبر.

ذاكرة الإعلام الجزائري ليست قصيرة. وهي تتذكر جيدًا مراحل كان فيها الخلل بنيويًا أكثر منه مهنيًا، حين اختلط التسيير بالتوجيه، والدعم بالولاء، والإشهار بما لا علاقة له بالمعايير. لا حاجة لاستحضار التفاصيل، فهي معروفة، ولا تزال آثارها حاضرة في طريقة تفكير كثير من الصحفيين اليوم.

لهذا، حين يُطلب من الإعلام أن يكون مسؤولًا، فإن أول ما يخطر بالبال ليس الالتزام الأخلاقي، بل وضوح القواعد. فالمسؤولية لا تُمارَس في الفراغ، ولا تُطلب من طرف واحد. وهي، في نهاية المطاف، نتيجة منظومة شفافة، أكثر منها نتيجة خطابات تحفيزية.

وزارة الاتصال، بحكم موقعها، قادرة على أن تطمئن القطاع لا بالكلام فقط، بل بإشارات صغيرة، لكنها ذات معنى، قواعد مستقرة، مسافة متساوية، وذاكرة لا تُمحى لكنها تُستثمر حتى لا تتكرر الأخطاء. فالإعلام لا يخاف من التنظيم، بقدر ما يتحفظ من الغموض.

ربما لا يكون مطلوبًا من هذه اللقاءات أن تُحدث تحوّلًا جذريًا، ولا أن تقدّم حلولًا فورية. يكفي أحيانًا أن يشعر الفاعلون بأن ما تغيّر ليس فقط طريقة الحديث، بل طريقة النظر إلى الإعلام نفسه، هل هو مجال يحتاج إلى مرافقة دائمة، أم شريك يُفترض أن يُعامل بثقة؟

لا أحد يطلب أكثر من هذا، أن يكون النقاش حول الإعلام نقاشًا هادئًا، طويل النفس، يتعلّم من الماضي دون أن يعيش فيه، ويترك للصحفي أن يؤدي دوره… دون أن يشعر أنه مطالب، في كل مرة، بإثبات حسن النية قبل حسن العمل.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

إسبانيا تمنح الإقامة والعمل لـ500 ألف “حراق”

تستعد إسبانيا لإقرار خطة واسعة لتسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي يقيمون حاليًا على …