‫الرئيسية‬ الأولى نونيز بالجزائر.. فرنسا الأمنية في مواجهة أخطاء فرنسا السياسية
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫10 ساعات مضت‬

نونيز بالجزائر.. فرنسا الأمنية في مواجهة أخطاء فرنسا السياسية

نونيز بالجزائر.. فرنسا الأمنية في مواجهة أخطاء فرنسا السياسية
يُنهي وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، اليوم، زيارته إلى الجزائر، زيارة تتجاوز في دلالاتها حدود العلاقات الثنائية لتلامس عمق التحولات الجارية في الإقليم والساحل الأفريقي. فالزيارة لا تأتي في فراغ، بل في لحظة تعيش فيها فرنسا تراجعًا غير مسبوق في نفوذها التقليدي بمنطقة الساحل، وتآكلًا حادًا في أدوات حضورها السياسي والعسكري، مقابل صعود فاعلين جدد وتبدل خرائط التحالف. في هذا السياق، تصبح الجزائر عنصر توازن لا يمكن تجاهله، وتتحول الزيارة إلى محاولة لإعادة الإمساك بخيوط نفوذ آخذة في الانفلات.

من زاوية المؤسسة الأمنية الفرنسية، تُقرأ الجزائر بوصفها الحلقة الأكثر استقرارًا في محيط إقليمي مضطرب. فبعد انسحاب أو تراجع الوجود الفرنسي في عدة دول ساحلية، وانهيار نماذج التدخل السابقة، باتت باريس تدرك أن المقاربة الأمنية الأحادية لم تعد كافية. الجزائر، بخبرتها الأمنية الطويلة، وشبكة علاقاتها الإقليمية، وقدرتها على التواصل مع مختلف الفاعلين في الساحل، تمثل بالنسبة لفرنسا قناة ضرورية لفهم التوازنات الجديدة، وربما للتأثير فيها بشكل غير مباشر. هذا الإدراك يفسر الطابع الأمني الصرف لزيارة نونيز، ويكشف في الوقت نفسه حدودها.

غير أن المفارقة تكمن في أن هذا الاعتراف الضمني بأهمية الجزائر لا يتحول إلى مراجعة سياسية شاملة في باريس. ففرنسا الأمنية ترى في الجزائر شريكًا محوريًا، بينما تظل فرنسا السياسية أسيرة حسابات داخلية وإيديولوجية تمنعها من الارتقاء بالعلاقة إلى مستوى شراكة استراتيجية متكافئة. هذا الانقسام يجعل الزيارة أقرب إلى محاولة احتواء أمني منها إلى مبادرة سياسية تعكس تحولًا في الرؤية.

في البعد الساحلي تحديدًا، تبرز الجزائر كفاعل مختلف عن بقية القوى الإقليمية. فهي لم تنخرط في تدخلات عسكرية خارج حدودها، ولم تربط نفوذها بوجود عسكري مباشر، بل بنت مقاربتها على مبدأ الاستقرار عبر الحوار والسيادة الوطنية. هذا النهج يمنحها مصداقية لدى عواصم الساحل التي باتت تنظر بريبة إلى النماذج التدخلية السابقة. فرنسا، التي فقدت الكثير من ثقلها الرمزي في هذه الدول، تجد نفسها مضطرة للتعامل مع الجزائر بوصفها وسيطًا أو شريكًا غير معلن في إدارة الأزمات، حتى وإن لم تعترف بذلك سياسيًا.

تأتي زيارة نونيز أيضًا في سياق تنافس دولي متصاعد في الساحل، حيث لم تعد فرنسا اللاعب الخارجي الوحيد. قوى دولية وإقليمية أخرى وسّعت حضورها السياسي والأمني والاقتصادي، ما جعل هامش المناورة الفرنسي أضيق. في هذا المشهد، تبدو الجزائر بالنسبة لباريس نقطة ارتكاز محتملة، ليس لاستعادة النفوذ القديم، بل لمنع خسارته بالكامل. هذا البعد يضفي على الزيارة طابع الضرورة أكثر من طابع القناعة.

في المقابل، تدرك الجزائر هذا التحول بوضوح. فهي ترى أن فرنسا تأتي إليها اليوم من موقع الحاجة لا من موقع القوة، وتتعامل مع هذا الواقع بهدوء محسوب. الجزائر لا تسعى إلى ملء الفراغ الفرنسي في الساحل، ولا إلى وراثة نفوذ تراجع، لكنها ترفض أن تُستغل كأداة لإعادة تدوير مقاربات فشلت. لذلك تحرص على إبقاء التعاون في إطار المصالح المشتركة، دون الانخراط في استراتيجيات لا تتحكم في مساراتها.

هذا التوازن الجزائري ينعكس أيضًا في طريقة التعامل مع الملفات الإقليمية الأخرى. فالموقف الجزائري من القضية الفلسطينية، ومن توازنات الشرق الأوسط، ومن استقلال القرار الأفريقي، يمنحها صورة فاعل سيادي يصعب تطويعه ضمن محاور جاهزة. هذا ما يجعلها في آن واحد شريكًا ضروريًا ومصدر إزعاج للدوائر التي تفضّل اصطفافات واضحة. زيارة نونيز تجري في ظل هذا التناقض، محاولة الاستفادة من الدور الجزائري دون الاعتراف الكامل بمقوماته السياسية.

داخليًا، يزيد هذا البعد الإقليمي من صعوبة الموقف الفرنسي. ففرنسا السياسية، المأزومة بصعود الشعبوية وضغط الانتخابات، تجد نفسها عاجزة عن تسويق شراكة متقدمة مع الجزائر للرأي العام، رغم الحاجة الأمنية الملحّة. هذا العجز يفسر الاكتفاء بخطاب تقني، وبزيارات أمنية، وبإشارات غير مكتملة، بدل مبادرات سياسية واضحة تعيد صياغة العلاقة على أسس جديدة.

تكشف زيارة نونيز إلى الجزائر عن لحظة مفصلية في العلاقة بين البلدين، لحظة يتقاطع فيها التراجع الفرنسي في الساحل مع صعود الدور الجزائري كفاعل استقرار. لكنها تكشف أيضًا حدود القدرة الفرنسية على تحويل هذا الإدراك إلى سياسة متماسكة. فرنسا الأمنية تدرك أهمية الجزائر في معادلة الساحل والإقليم، بينما فرنسا السياسية لا تزال عاجزة عن تجاوز قيودها الداخلية وخياراتها المترددة.

أما الجزائر، فتعامل الزيارة باعتبارها محطة من محطات إدارة علاقة معقّدة، لا بوصفها بداية تحالف جديد. فهي تدرك أن موقعها الإقليمي يمنحها هامشًا واسعًا، لكنها تدرك أيضًا أن الحفاظ على هذا الموقع يمرّ عبر الاستقلال والاتزان لا عبر الانخراط في استراتيجيات الآخرين.

ومع اقتراب ختام الزيارة، يظل السؤال مفتوحًا ليس فقط حول نتائجها المباشرة، بل حول مستقبل التوازنات في الساحل والمتوسط. هل تستطيع فرنسا إعادة تعريف دورها عبر شراكة حقيقية مع الجزائر، أم ستظل أسيرة مقاربات أمنية جزئية تعكس أزمتها أكثر مما تعالجها؟ إلى أن تتضح الإجابة، ستبقى العلاقة محكومة بإدارة حذرة للخلاف، في إقليم يتغير بسرعة ولا ينتظر المترددين.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

«حكم ذاتي» بلا حكم!

إذا كان الحكم الذاتي في التجربة الدولية يعني ببساطة أن يحكم الإقليم نفسه بنفسه، فإن المقتر…