هل أصبحت “فرانس 24” منصة لترويج خطاب المخزن؟
يبدو أن الحملات التي يشنّها المخزن المروكي ضد الجزائر، والتي انطلقت منذ أكثر من خمس سنوات، لم تعد مجرّد موجات ظرفية أو ردود فعل إعلامية، بل تحوّلت إلى نهج ثابت في السياسة الخارجية، تُحرَّك من أجله شبكات متعددة داخلية وخارجية. هذه الحملات، وإن بدّلت وجوهها وخطابها من حين إلى آخر، ظلّت محافظة على المضمون نفسه، القائم على التكرار الممنهج والاتهام المستمر، وفق أسلوب دعائي قديم يقوم على الإكثار من الادعاءات أملاً في ترسيخها لدى المتلقّي.
هذا الخطاب، الذي فقد تأثيره لدى الرأي العام الجزائري منذ سنوات، بات موجهاً أساساً للاستهلاك الداخلي في المروك، في محاولة لإقناع المواطن هناك بتفوّق وهمي على الجار الشرقي، عبر صناعة صورة عدائية مستمرة. وفي هذا السياق، تتوالى التصريحات والتعليقات، كان آخرها تلميحات خطيرة تتعلق بتهديد أنبوب الغاز العابر للنيجر، دون أدنى اعتبار لتبعات مثل هذا الخطاب.
فأي حديث عن استهداف أنبوب غاز يمرّ عبر أراضي دولة ذات سيادة مثل النيجر، ويشكّل مشروعاً مشتركاً يضم الجزائر ونيجيريا وشركاء أوروبيين، لا يمكن تصنيفه إلا كتصعيد خطير، يتجاوز حدود السجال الإعلامي إلى الإيحاء بأعمال عدائية تمسّ الأمن الإقليمي، وتطال مصالح دولية واضحة. مثل هذا الخطاب، حتى وإن صدر في إطار دعائي، يثير تساؤلات حول الجهة التي تتحمّل مسؤوليته السياسية والأخلاقية.
في هذا المناخ، يلاحظ متابعون أن ما يُوصف بـ«الهوس بالجزائر» بات سمة بارزة في الخطاب الدعائي للمخزن، إلى درجة أن منابر إعلامية دولية، من بينها فرانس 24، صارت تستضيف محللين أو متحدثين محسوبين على هذا الخط، للحديث عن مشاريع جزائرية لا صلة للمروك بها من قريب أو بعيد. وغالباً ما تُطرح، في هذه التدخلات، تساؤلات تفتقر إلى الحد الأدنى من الإلمام بقواعد سوق الطاقة، من قبيل التشكيك في وجهة تصدير الغاز الجزائري، وكأن الجزائر، المصنّفة منذ عقود كمورد موثوق، بحاجة إلى دروس في تسويق مواردها.
في المقابل، تروّج الدعاية المروكية لخطاب مفاده أن الجزائر «تتآمر» على المشروع المروكي المعلن، في حين تُجمع دراسات طاقوية متخصصة، نُشر بعضها في الإعلام الإسباني، على أن هذا المشروع يواجه إشكالات بنيوية تتعلق بطول المسار، وعدد الدول التي يعبرها، وكلفة الإنجاز، وفترة الاسترداد المالي التي قد تمتد—في أحسن التقديرات—لعقود طويلة. هذه المعطيات تجعل المشروع، في نظر خبراء الطاقة، أقرب إلى إعلان سياسي منه إلى مخطط اقتصادي قابل للتنفيذ.
ويُنظر إلى هذا المشروع المروكي، في هذا الإطار، كأداة لإلهاء الرأي العام الداخلي، وتوفير مادة دائمة للحملات الدعائية ضد الجزائر، أكثر من كونه مبادرة طاقوية حقيقية. في المقابل، يحظى المشروع الجزائري بثقة شركائه، ويستند إلى أسس تقنية واقتصادية معروفة، كما أن مصداقية الجزائر كمورد للطاقة ليست محل جدل لدى الفاعلين الدوليين.
إن بناء السياسات على معاداة كل ما هو جزائري، وتحويل الخصومة إلى محور دائم للخطاب الخارجي، يفضي بالضرورة إلى نتائج عكسية. فالجزائر، في مقاربتها لملف الطاقة، اعتمدت دائماً على التخطيط العلمي والمعايير الدولية، ولم تلجأ إلى توظيف الطاقة كأداة ابتزاز سياسي، حتى في ذروة الخلافات مع بعض الشركاء، وهو ما أكسبها ثقة مستهلكيها عبر السنوات.
وأمام هذا الواقع، يتساءل متابعون عن سبب إصرار بعض الأصوات المروكية على الانشغال الدائم بالجزائر بدل التركيز على الإشكالات الداخلية لبلادهم. فإدارة شؤون الشعوب لا تقوم على انتقاد الآخرين، ولا على التدخل في خياراتهم السيادية، ومنها خيارات تصدير الطاقة.
أنبوب الغاز الإفريقي سيمضي في مساره، رغم محاولات التشويش، لأن الجزائر تُعدّ فاعلاً أساسياً في سوق الطاقة، ولأن الشركاء الأوروبيين يدركون جيداً قيمة الاستقرار والموثوقية التي توفرها. ومن هذا المنطلق، يطرح سؤال مشروع: لماذا لا تخصّص بعض المنابر الإعلامية الدولية حيزاً لتحليل المشروع المروكي نفسه، واستعراض الدراسات التقنية والاقتصادية التي تناولته، بدل الاكتفاء باستضافة أصوات تكرّر خطاباً سياسياً موجهاً؟
الإجابة، بالنسبة لكثيرين، تكمن في طبيعة الخط التحريري الذي بات، في بعض الأحيان، أقرب إلى إعادة بثّ دعاية جاهزة، منه إلى نقاش مهني متوازن. غير أن الوقائع على الأرض، كما في أسواق الطاقة، تبقى أقوى من أي خطاب، وتفرض نفسها بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
كيف يدفع المسيحيون الصهاينة بأجندة «إسرائيل الكبرى»؟
أثار تصريح حديث للسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، خلال مقابلة إعلامية مع الصحفي الأ…






