‫الرئيسية‬ الأولى هل يمكن لباريس أن تخسر الجزائر؟
الأولى - الوطني - مقالات - 8 أغسطس، 2025

هل يمكن لباريس أن تخسر الجزائر؟

هل يمكن لباريس أن تخسر الجزائر؟

ستخسر فرنسا الكثير إذا تصاعدت الأزمة الدبلوماسية مع الجزائر وتفاقمت أكثر. قد تبدأ الخسائر من المجال الاقتصادي وتمتد إلى الجوانب الاستراتيجية والسياسية والداخلية. فالجزائر ليست فقط شريكًا تجاريًا كبيرًا لفرنسا، بل تشكل أيضًا عمقًا استراتيجيًا في شمال إفريقيا وموطئ قدم اقتصادي حيوي لشركات فرنسية كبرى، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتمويل والخدمات. في حال تدهورت العلاقات إلى نقطة اللاعودة، فإن فرنسا قد تخسر وصولها التفضيلي إلى السوق الجزائرية، وتفقد أكثر من 2.5 مليار يورو من الاستثمارات المباشرة هناك، إلى جانب 13% من وارداتها من الغاز الطبيعي، التي تُعد الجزائر مصدرًا رئيسيًا لها. شركات مثل توتال إنرجيز، رونو، سوسيتيه جنرال، ومؤسسات اخرى، ستجد نفسها في موقف حساس، وربما مضطرة لمراجعة أو حتى إنهاء مشاريعها على الأراضي الجزائرية تحت ضغط سياسي وشعبي متصاعد. كل هذا سيُضاف إلى صورة فرنسا المتراجعة في المنطقة، في وقت تسعى فيه قوى دولية أخرى مثل روسيا وتركيا إلى ملء الفراغ.

تتصاعد الأزمة بين فرنسا والجزائر دون مؤشرات حقيقية على نية للتهدئة. فمنذ أكثر من عام، تغرق باريس والجزائر في حالة من التوتر الدبلوماسي المتواصل، تُرجم مؤخرًا بمطالبة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتعليق رسمي لاتفاق عام 2013، وذلك في خطوة اعتُبرت على نطاق واسع تصعيدًا غير مسبوق في العلاقات بين البلدين. رغم الارتباط التاريخي والثقافي والإنساني العميق بين الشعبين، ورغم أن فرنسا تحتضن أكبر جالية جزائرية في الخارج، حيث أن أكثر من فرنسي من أصل عشرة له صلة مباشرة بالجزائر، فإن العلاقة السياسية تسير في اتجاه محفوف بالاحتقان والتأزيم.

طالب ماكرون الحكومة الفرنسية بالتصرف “بمزيد من الحزم” تجاه الجزائر، في لهجة تكشف عمق الفجوة السياسية بين الطرفين. تعليق اتفاق 2013، الذي ينظّم منح تسهيلات لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية الجزائرية، سيعني عمليًا أن الدبلوماسيين الجزائريين لن يستطيعوا الدخول إلى الأراضي الفرنسية دون تأشيرة، وهو ما سيمثل إهانة دبلوماسية تمس السيادة والندية، بل دفع الجزائر للرد بالمثل، في خطوة ستعقد المهام الدبلوماسية وتعرقل أي حوار أو تفاوض. هذه الرمزية القوية لا تنبئ فقط بتوتر عابر، بل بإرادة فرنسية لاختبار صلابة العلاقة، وسط مشهد سياسي فرنسي مضطرب تصعد فيه التيارات اليمينية والمتطرفة.

ورغم أن اتفاق 2013 لا يمس سوى فئة ضيقة من النخبة السياسية والإدارية، فإن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال تراجع باريس عن اتفاقات 1968، وهي الاتفاقات التي تشكل العمود الفقري لتنظيم وتأطير تواجد الجالية الجزائرية في فرنسا. هذه الاتفاقات تنظّم منذ عقود حركة الجزائريين إلى فرنسا، إقامتهم، ووصولهم إلى سوق العمل. وهي التي، بعد تعديلات في سنوات 1985 و1994 و2001، سمحت بتيسير لمّ الشمل العائلي، وتحديد شروط الإقامة. أي خطوة تجاه هذه الاتفاقيات قد تعني ضربة مباشرة لملايين الأشخاص، وتهديدًا للنسيج الاجتماعي الفرنسي الذي يحتوي على طيف واسع من المواطنين من أصول جزائرية.

وقد بدأ ماكرون فعليًا في فتح هذا الباب، حين دعا إلى تفعيل بند “الرافعة التأشيرية – إعادة القبول”، وهو إجراء في قانون الهجرة الجديد لعام 2024 يسمح برفض منح تأشيرات حتى لحاملي جوازات الخدمة والدبلوماسية، بالإضافة إلى منع منح تأشيرات الإقامة الطويلة لكافة أنواع المتقدمين، بما فيهم الطلاب أو طالبي لمّ الشمل. وتستند هذه الخطوة إلى فرضية الضغط على الجزائر لكي تقبل بعودة مواطنيها الذين صدرت بحقهم أوامر بمغادرة التراب الفرنسي، غير أن هذا التكتيك قد يُقابل بتعنت أكبر من الجزائر، التي قد ترد برفض ممنهج لاستقبال المرحّلين، وهو ما من شأنه أن يحوّل الأزمة إلى مأزق قانوني وأمني حاد داخل فرنسا نفسها.

الجزائر ليست مجرد جارة جنوبية، بل هي شريك اقتصادي واستراتيجي مهم. فهي تُزوّد فرنسا بنحو 13% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتستثمر فيها العديد من الشركات الفرنسية الكبرى في قطاعات متنوعة، من الطاقة إلى المصارف والتجزئة والبناء. وإذا قررت الجزائر، في ظل استمرار التصعيد، إعادة النظر في هذه الشراكات، فإن فرنسا ستخسر بلا شك نفوذًا اقتصاديًا كبيرًا في منطقة تتنافس عليها قوى دولية عديدة، منها روسيا التي تسعى بوضوح إلى توسيع حضورها في شمال إفريقيا. هذا التحول قد يضعف من مكانة فرنسا في القارة، التي بدأت بالفعل تتآكل بفعل التوترات في مالي، النيجر، وبوركينا فاسو، وقد تجد نفسها في مواجهة عزلة سياسية متزايدة على أطرافها الجنوبية.

وعلى الصعيد الداخلي، فإن أي مساس بالجالية الجزائرية في فرنسا ستكون له انعكاسات خطيرة. من شأن ذلك أن يفاقم الإحساس بالتهميش والتمييز لدى فئة واسعة من المواطنين الفرنسيين من أصول جزائرية، ويؤجج التوترات الاجتماعية في الضواحي، في وقت تعاني فيه البلاد من استقطاب سياسي وأمني حاد. الجالية الجزائرية ليست مجرد رقم، بل هي جزء فاعل من الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية الفرنسية، وأي محاولة لاستعمالها كورقة ضغط سياسية ستكون بمثابة مغامرة قد تخرج عن السيطرة.

ورغم كل ذلك، لا يبدو أن الأصوات الداعية للتهدئة تحظى اليوم بالوزن الكافي. فالمناخ السياسي الفرنسي، وخصوصًا بعد صعود اليمين المتطرف في الانتخابات التشريعية الأخيرة، يدفع بالحكومة إلى مواقف متشددة. تصريحات مثيرة من شخصيات معروفة مثل لوي ساركوزي، نجل الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، الذي قال علنًا إنه “لو كان في الحكم لأحرق السفارة الجزائرية ومنع كل التأشيرات”، تكشف حجم الاحتقان وغياب الرؤية الاستراتيجية. هذا الخطاب، وإن بدا استعراضيًا، يُغذّي مناخًا من الكراهية والتوتر لا يخدم مصالح فرنسا، لا داخليًا ولا خارجيًا.

جذور الأزمة الحالية تعود إلى يوليو 2024، بعد الموقف الفرنسي الداعم للمغرب في قضية الصحراء الغربية، وهو ما اعتبرته الجزائر استفزازًا مباشرًا. ثم جاءت قضية توقيف بوعلام صنصال في الجزائر لتضيف المزيد من الزيت على النار. ومنذ ذلك الحين، لم تهدأ وتيرة التصعيد، من خلال التصريحات المتبادلة، ورفض الجزائر استقبال رعاياها المرحّلين من فرنسا، إلى خطوات قانونية فرنسية تمس الوجود الجزائري.

وفي ظل غياب إرادة حقيقية للحوار، فإن الأزمة مرشحة لمزيد من التعقيد. وحدها رغبة سياسية صادقة في التهدئة، بعيدًا عن الحسابات الانتخابية والمزايدات الإعلامية، يمكن أن تُعيد الأمور إلى مسارها الطبيعي. ما يجمع فرنسا والجزائر أكثر بكثير مما يفرّقهما، لكن سوء إدارة هذا التراث المشترك قد يُحوّله إلى عبء بدلًا من أن يكون ركيزة للتعاون. إن أي مساس باتفاقيات 1968 سيكون خطوة غير محسوبة العواقب، تحمل في طياتها تهديدًا لحياة ملايين الأفراد، وتهديدًا لنموذج التعايش الذي لطالما تفاخر به المجتمع الفرنسي.

الأزمة الحالية ليست حتمية، ويمكن احتواؤها إذا ما توفرت شجاعة سياسية حقيقية ورؤية استراتيجية بعيدة عن منطق الردود الانتقامية. وإلا، فإن الطرفين – وخاصة فرنسا – قد يدفعان ثمنًا باهظًا، ليس فقط في صورة الخسائر الاقتصادية والدبلوماسية، بل في التصدع العميق في علاقات طالما اعتُبرت خاصة واستثنائية.

في خضم التصعيد السياسي والدبلوماسي الحاد بين باريس والجزائر، يبرز بُعد آخر قد لا يحظى بالضوء الكافي في النقاشات الجارية، لكنه يُعد الأخطر على المدى المتوسط والبعيد، البعد الأمني. فالجزائر ليست فقط شريكًا اقتصاديًا، بل هي أيضًا حليف أمني لا غنى عنه في المعادلة الإقليمية، خصوصًا في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وهي مناطق تشكل العمق الجنوبي الحيوي لأمن فرنسا وأوروبا بأكملها.

منذ سنوات، شكّل التعاون الأمني والاستخباراتي بين الجزائر وفرنسا أحد أعمدة الاستقرار النسبي في الفضاء المغاربي-الأوروبي. الجزائر، بما تملكه من خبرة واسعة في مكافحة الإرهاب، ونجاحها في مواجهة جماعات جهادية شرسة خلال “العشرية السوداء”، تُعد اليوم بنك معلومات لا يقدّر بثمن بالنسبة للأجهزة الأمنية الفرنسية. وقد استفادت باريس، خلال السنوات الأخيرة، من المعلومات التي قدمتها الجزائر حول نشاط الخلايا المتطرفة، خاصة تلك المتفرعة عن تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، أو التي تنشط بين الساحل وأوروبا، مرورًا بليبيا ومالي والنيجر.

لكن مع دخول العلاقة الثنائية في نفق الأزمة، فإن هذا النوع من التنسيق الاستخباراتي مهدد بالجمود أو الانقطاع التام. وهو ما يعني أن فرنسا قد تجد نفسها عمياء في فضاء جغرافي كانت حتى وقت قريب جزءًا من كل خيوطه الأمنية. والأخطر من ذلك، أن الجزائر، إن شعرت بأنها مستهدفة أو غير مرحب بها في دوائر القرار الفرنسي، قد تختار التعاون الأمني مع قوى منافسة مثل روسيا أو الصين، أو حتى تكتفي بالانكفاء الداخلي، تاركة فراغًا قد تملأه جهات معادية لمصالح فرنسا.

ومن جهة أخرى، فإن البحر الأبيض المتوسط سيصبح أكثر هشاشة أمام التهديدات إذا انسحبت الجزائر من اتفاقيات التنسيق البحري ومكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية. هذا قد يؤدي إلى تضاعف عمليات الهجرة السرية نحو السواحل الفرنسية، وتنامي تجارة السلاح والمخدرات، بل وحتى إمكانية عبور عناصر متطرفة بسهولة عبر القنوات البحرية، في ظل غياب التنسيق الميداني والتقني مع خفر السواحل الجزائريين.

الضربة الأخطر، رغم ذلك، قد لا تأتي من الجنوب بل من الداخل الفرنسي نفسه. إذ أن التوتر السياسي مع الجزائر ينعكس تلقائيًا على مزاج الجالية الجزائرية في فرنسا، وهي جالية كبيرة ومتجذرة، لها امتداد اجتماعي وثقافي واسع. في حال استمرت الحكومة الفرنسية في تبني خطاب متشدد يُصور الجالية كعبء أمني أو سياسي، فإن هذا سيفتح الباب أمام خطاب مضاد، يُغذّي الإحساس بالإقصاء والتمييز، ويخلق مناخًا مواتيًا للراديكالية والتطرف. إن من أخطر ما يمكن أن يحدث في بلد مثل فرنسا هو أن يشعر جزء من المواطنين بأنه مستهدف سياسيًا بسبب أصوله، فذلك كفيل بإنتاج أزمات أمنية مستعصية يصعب توقع نتائجها.

تُطرح أيضًا إشكالية قانونية معقّدة تتعلق بترحيل الأفراد المصنّفين خطرين على الأمن العام، أو الخاضعين لأوامر مغادرة التراب الفرنسي (OQTF)، والذين ترفض الجزائر استقبالهم على أساس عدم استنفادهم لكامل حقوقهم في الطعن والإجراءات القضائية الواجبة. هذا الوضع القانوني المعلّق يُجبر فرنسا على إبقاء هؤلاء الأفراد على أراضيها رغم صدور قرارات ترحيل نهائية بحقهم، مما يولّد ثغرات أمنية حقيقية ويُحرج السلطات الفرنسية أمام الرأي العام، ويُضعف فعاليتها في تطبيق سياسات الهجرة والأمن.

إن فرنسا، بمكانتها كقوة أوروبية وأحد أقطاب القرار الدولي، تدرك أن قوتها لا تُقاس فقط بحجم أسلحتها أو استثماراتها، بل بقدرتها على الحفاظ على شبكة تحالفات إقليمية ذكية وفعالة. والجزائر، برغم التعقيدات التاريخية والسياسية، كانت – ولا تزال – جزءًا من هذه الشبكة. التفريط فيها سيكون بمثابة قصر نظر استراتيجي قد تُدفع كلفته باهظة ليس اليوم، بل في السنوات القادمة، حين تنفجر التهديدات في وجه من تجاهل صوت العقل.

ففي عالم سريع التحول، وحافل بالتحالفات المتقلبة، لا مكان لسياسة الغطرسة أو العناد. الأمن القومي لا يُبنى على العبارات الصلبة فقط، بل على قنوات الثقة والتعاون الحقيقي. وإذا ما أُغلقت هذه القنوات مع الجزائر، فإن البدائل لن تكون فقط بعيدة، بل ستكون – في الغالب – غير مضمونة النتائج.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

فيديو مغربي يُستعمل لتشويه صورة الجزائريين!

انتشر خلال الساعات الأخيرة على نطاق واسع مقطع فيديو يُظهر مشاهد أبواق سيارات وألعابًا ناري…