10 سنوات سجناً مطلوبة واتهامات ثقيلة.. القضاء ينبش منظومة الإشهار العمومي
يواصل القضاء الجزائري إعادة فتح واحد من أكثر ملفات الفساد حساسية وتعقيدًا في قطاع الإعلام والمال العمومي، ويتعلق الأمر بقضية الوكالة الوطنية للنشر والإشهار، المعروفة إعلاميًا بملف “أناب 2”، والتي تعود إلى الواجهة من خلال جلسات الاستئناف الجارية أمام الغرفة الجزائية بمجلس قضاء الجزائر، وسط مطالب بعقوبات وُصفت بالقصوى، وكشف متواصل لاختلالات عميقة طبعت تسيير الإشهار العمومي لسنوات.
وبحسب ما أوردته جريدة “الوطن” الناطقة بالفرنسية، فقد التمست النيابة العامة توقيع عقوبة عشر سنوات حبسًا نافذًا في حق ثلاثة عشر متهمًا، من بينهم وزيرا الاتصال السابقان حميد قرين وجمال كعوان، إضافة إلى الرئيس المدير العام الأسبق للوكالة الوطنية للنشر والإشهار أمين شيكر، إلى جانب عدد من الإطارات والمسؤولين السابقين، على خلفية تهم تتعلق بإساءة استغلال الوظيفة، التبديد العمدي لأموال عمومية، ومنح امتيازات غير مبررة للغير بمناسبة إبرام عقود وصفقات مع مؤسسات عمومية.
ووفق نفس المصدر، طالبت الخزينة العمومية بإلزام المتهمين بدفع تعويض مالي قدره ثلاثمائة مليون دينار جزائري عن الأضرار اللاحقة بالمال العام، غير أن الوكالة الوطنية للنشر والإشهار، بصفتها طرفًا مدنيًا، اعترضت على هذا الطلب، مبرزة أنها تواجه نزاعًا ماليًا ثقيلاً مع مؤسسة مترو الجزائر، التي تطالبها بتعويض يناهز ثلاثين مليار دينار، نتيجة فسخ عقد سابق متعلق باستغلال وتسويق الفضاءات الإشهارية. هذا المعطى، الذي طُرح خلال الجلسة، أعاد تسليط الضوء على طبيعة الصفقات التي أبرمتها الوكالة خلال سنوات سابقة، ومدى احترامها لمبادئ الشفافية والمنافسة، فضلًا عن تبعاتها المالية التي لا تزال محل نزاع قضائي.
وتشير الوقائع الواردة في ملف القضية، كما استعرضتها النيابة العامة واعتمدتها قرارات الإحالة، إلى تخصيص مبالغ مالية معتبرة من الإشهار العمومي لصحف ذات سحب ضعيف جدًا، وأحيانًا منعدم، دون التقيد بالمعايير المهنية المعمول بها، مثل نسب المقروئية، الانتشار، والتأثير الإعلامي، وهو ما حوّل الإشهار العمومي من أداة دعم اقتصادي للإعلام إلى وسيلة امتياز وانتقاء، تخضع في كثير من الأحيان لاعتبارات غير معلنة. هذه الصورة تعززت بشكل أوضح خلال محاكمة “أناب 2” أمام محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بسيدي أمحمد، حيث كشفت الجلسات، حسب تحقيق مفصل نشرته الصحفية نوارة باشوش في الشروق أونلاين بتاريخ 15 أكتوبر 2025، عن ما وصفته المحكمة بـ“التسيير الكارثي” و“النهب الممنهج” للريع الإشهاري.
وخلال تلك الجلسات، برز ملف الصفقات المبرمة مع مؤسسة مترو الجزائر كأحد أكثر النقاط إثارة، حيث تبيّن أن الوكالة الوطنية للنشر والإشهار أبرمت اتفاقيات لتسويق الفضاءات الإشهارية، قبل أن يتم لاحقًا تفريعها لصالح متعاملين خواص، في إطار وساطات معقدة، كبّدت الوكالة خسائر مالية متصاعدة. ووفق الأرقام التي ناقشتها المحكمة، قُدرت هذه الخسائر بـ26.6 مليار سنتيم سنة 2017، لترتفع إلى 36.2 مليار سنتيم سنة 2018، ثم إلى أكثر من 42 مليار سنتيم سنة 2019، وهي معطيات اعتُبرت مؤشرًا على فشل هيكلي في التسيير، لا مجرد أخطاء ظرفية أو فردية.
وخلال استجوابه أمام القطب الاقتصادي والمالي، نفى الوزير الأسبق جمال كعوان التهم الموجهة إليه، وصرّح، بحسب ما نقلته الشروق أونلاين، بأن الإشهار في الجزائر لا يخضع لقانون واضح يضبطه، معتبرًا أن الوكالة مؤسسة ذات طابع تجاري. غير أن تصريحه الذي أثار جدلاً واسعًا، حين قال إن الوكالة “تسير بالتعليمات منذ أول يوم لتأسيسها”، نقل القضية من مستوى الاختلالات المالية إلى مستوى أعمق يتعلق بمراكز القرار الفعلية، وحدود المسؤولية السياسية والإدارية في ملف الإشهار العمومي.
من جهته، أوضح أمين شيكر أن توزيع الإشهار لم يكن يستند بالضرورة إلى نسب المقروئية، بل إلى طلب الزبائن وطبيعة المعلنين، مشيرًا إلى أن العملية كانت تخضع أحيانًا لتوصيات، وبحسب ما وصفه بـ“الخط الافتتاحي” للجرائد. كما أقرّ بوجود سلطة ضبط الصحافة المكتوبة منذ سنة 2012، غير أنها لم تُفعّل، ما ساهم، حسب قوله، في استمرار حالة الفراغ التنظيمي التي استُغلت في تسيير هذا الملف الحساس.
أما الوزير الأسبق حميد قرين، فقد أكد خلال جلسات المحاكمة أن الوكالة الوطنية للنشر والإشهار لم تكن، عمليًا، خاضعة لسلطة وزارة الاتصال، بل لتدخلات مباشرة من محيط رئاسة الجمهورية آنذاك، مشيرًا بالاسم إلى مستشار الرئيس السابق سعيد بوتفليقة، الذي قال إنه كان يتحكم في منح الإشهار ورفعه أو حرمان وسائل إعلام منه. كما تحدث عن ديون ضخمة ورثتها الوزارة عند توليه المنصب، وعن محاولات لاسترجاع جزء منها، بما في ذلك اتخاذ قرارات بتوقيف بعض العناوين الإعلامية بسبب عدم تسديد مستحقاتها.
وكانت محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي قد أصدرت، في أكتوبر 2025، أحكامًا ابتدائية وُصفت بالثقيلة، أدانت بموجبها جمال كعوان وأمين شيكر بثماني سنوات حبسًا نافذًا، فيما حُكم على حميد قرين بأربع سنوات حبسًا نافذًا، إلى جانب غرامات مالية ومصادرة أرصدة بنكية، مقابل استفادة خمسة متهمين من البراءة التامة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
محكمة إسبانية تحجز حسابات القنصلية المغربية بمورسيا
قضت محكمة إسبانية بالحجز على الحسابات البنكية التابعة للقنصلية المغربية بمدينة مورسيا، في …






