144 مكرر.. “مادة الحرب الأهلية”
يظهر في الجزائر كل عام، بعض المتطرفين من التيارات السلفية والوهابية، الذين يدعون إلى معاقبة المفطرين، بل وصل بهم الأمر إلى الدعوة إلى رجمهم أو قتلهم. هذه الفتاوى تذكرنا ببقايا الإرهاب التي لم تشبع بعد من هدر دماء الجزائريين وتدمير حياتهم. سنويًا، تظهر جماعات من “الدعاة الجدد” بتوجيه فتاوى غريبة، تثير الاستغراب، وتخرج عن الإطار الشرعي لإصدار الفتاوى في الجزائر. وللأسف، تقف المؤسسات الرسمية صامتة، غائبة عن أي دور رقابي أو توجيهي، وتكتفي بمراقبة الحسابات المالية دون التدخل لإيقاف الفوضى الفقهية التي بات أي شخص يمتلك لحية ويمكنه الظهور أمام الكاميرات ليصدر فتاوى غير مسؤولة.
من بين أغرب الفتاوى التي تم تداولها مؤخرًا، كان تحريم دخول النساء إلى الحمام، وهو ما يمثل تدرجًا خطيرًا في الفكر المتطرف. هذه الفتاوى تذكرني بحادثة مؤلمة من فترة الإرهاب في مدينة باتنة، حيث أقدم شاب على قتل والدته لأنها لم ترتدِ الحجاب، وارتكب فعلته البشعة أمام عيني جدته. المسؤولية في هذا النوع من الجرائم تقع على عاتق أولئك الذين يطلقون فتاوى غير مسؤولة، والتي يمكن أن تؤدي إلى تكرار مثل هذه الأفعال الإجرامية. وبالحديث عن هذه الفتوى، يزعم بعض “الدعاة المحليين” تحريمه على المرأة دخول الحمام بحجة بقاء “رائحة الرجال” فيه. لكنه تناسى أن رائحة الرجال توجد في الشوارع، ووسائل النقل، وأماكن العمل، والمدارس والمستشفيات، بل وفي كل الأماكن العامة. لماذا إذن يتم تحريم الحمام؟ هل هذه خطوة نحو “أفغنة” الجزائر؟ بالطبع، لأن هذا الشخص نفسه يصر على فرض الحجاب على الفتيات منذ المرحلة الابتدائية، رغم أن الأزهر الشريف أصدر فتوى تؤكد أن الحجاب ليس فرضًا دينيًا، بل هو عادة اجتماعية.
هذا الفكر المتطرف يقرر ملامح لباس الفتيات الجزائريات منذ سن مبكرة، ويحولها إلى قضية دينية، دون أن تتحرك المؤسسات الرسمية المعنية لتوضيح حدود هذه التصرفات. الفتاوى الطائشة قتلت العديد من الجزائريين، وتجد بعض الدعاة في الهجوم على النساء فرصة لاختراق المجتمع قبل أن يبدأوا في تكفير كل من يختلف معهم من شرطي وصحفي ووزير وغفير، بل وكل من يرونه خارج مقاسهم الفكري والديني.
ومع بداية شهر رمضان، ظهرت دعوات جديدة لتكفير المفطرين، رغم أن العديد من القادة في تاريخ الإسلام، مثل معاوية وابن عباس، لم يصوموا أو يصلوا بشكل منتظم. لكن العجيب أن هذه المسائل لا يتم مناقشتها بجدية في التاريخ الإسلامي، بل يتم تصويرها على أنها جزء من “التراث الصافي” الذي يجب أن يُقتدى به.
وقد ظهر أيضًا محامٍ يشرح أن هناك مادة في القانون الجزائي الجزائري يمكن استخدامها لتقديم شكوى ضد المفطرين. ومع ذلك، يذكر المتخصصون أن الآية القرآنية واضحة في هذا الشأن، وأن عقوبة المفطر لا أساس لها في القرآن الكريم. يتحدث المحامي عن المادة 144 مكرر، التي تعتبر مادة خطيرة وتسمى “مادة الحرب الأهلية” في الجزائر، والتي تم استيرادها من القانون المصري في فترة تحالف التيارات الوهابية مع نظام العصابة.
على الرغم من أن هذه المادة لا يمكن تفعيلها إلا عبر المحكمة، إلا أنه تم استخدامها في الماضي ضد جاب الخير، وتم عرض القضية على المحكمة الدستورية دون أن نعرف نتائجها حتى الآن. وللأسف، أصبح بعض المحامين يشجعون المواطنين على استخدام هذه المادة ضد “المفطرين”، مما يشكل خطرًا على الأمن المجتمعي.
المادة 144 مكرر تتجاوز قضية الإفطار في رمضان، فلو كان جارك سلفيًا وهابيًا، ورأى أن ابنتك تخرج للعمل دون حجاب أو أن زوجتك لا ترتديه، يمكنه رفع دعوى قضائية، ما قد يؤدي إلى سجنها لثلاث سنوات. وإذا كان جارك إباضيًا ويرفض بعض الآراء الفقهية الأخرى، يمكن أيضًا رفع دعوى ضده. هذه المادة تمثل تهديدًا حقيقيًا للسلم الاجتماعي في الجزائر. وبالفعل، أصبح المحامون يروجون لهذه المادة، ويشجعون على استخدامها ضد النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب، أو حتى القاضيات اللواتي لا يتفقن مع آراء السلفيين.
إذن، كيف يمكن للمجتمع أن يعيش بسلام إذا كانت هذه الفتاوى والممارسات القانونية تهدد الاستقرار؟ أوجه نداء عاجلاً للسلطات الجزائرية للبت في دستورية هذه المادة وإلغائها، لأنها تمثل تهديدًا للأمن الوطني. يجب أن تتخذ الحكومة خطوات سريعة للحفاظ على وحدة البلد وأمنه.
كما أطالب بضرورة ضبط الفتوى وعدم السماح لأي شخص بإصدارها دون ضوابط قانونية واضحة، لضمان عدم تعريض المجتمع للفوضى.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
“كان 2025”.. فضيحة دولية مكتملة الأركان
ما حدث في المواجهة التي جمعت السنغال بالمنتخب المستضيف في كأس إفريقيا لم يكن مجرد جدل تحكي…







