‫الرئيسية‬ الأولى عدمية باسم الدين: كيف يضرب المتأسلمون معنويات الجزائريين؟!
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫55 دقيقة مضت‬

عدمية باسم الدين: كيف يضرب المتأسلمون معنويات الجزائريين؟!

عدمية باسم الدين: كيف يضرب المتأسلمون معنويات الجزائريين؟!
يتعزّز يومًا بعد آخر اقتناعٌ واسع في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الجزائرية بأن التيار المتأسلم، بصيغته الإيديولوجية المتشددة، لم يعد مجرّد تيار فكري هامشي، بل تحوّل إلى عامل ضغط فعلي على الأمن المجتمعي والاستقرار الوطني. خطر هذا التيار لا يتجلى فقط في مواقفه السياسية، بل في بنيته الفكرية ذاتها، القائمة على رؤية عدميّة للحياة تختزل الوجود في منطق “الانتظار للموت”، وتُجرّم الفرح، وتُشيطن الاحتفال، وتحوّل الدين إلى أداة كبح اجتماعي، وهو ما يتناقض جوهريًا مع كل مقومات التنمية البشرية والحركية الاجتماعية التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة.

هذا المنحى ليس توصيفًا إنشائيًا، بل تؤكده دراسات أكاديمية متخصصة في علم الاجتماع الديني والتطرف، من بينها تقارير صادرة عن مراكز بحث أوروبية مثل المركز الأوروبي لدراسات التطرف (ECSR – 2022)، التي تربط بين الخطاب الديني العدمي وبين إنتاج العنف الرمزي والاجتماعي داخل المجتمعات، باعتباره مقدمة لتفكيك الثقة الجماعية والانسجام الوطني.

لم تسلم فرحة الجزائريين، التي عبّروا عنها علنًا عقب نهاية المباراة النهائية، من هجمات هذا التيار داخل الوطن وخارجه. وهو نمط متكرر موثق في أرشيف الإعلام الجزائري منذ التسعينيات، حيث ربط باحثون جزائريون، مثل الدكتور عبد القادر دزايرلي في دراسته المنشورة سنة 2019 حول “الخطاب الديني الراديكالي في الجزائر”، بين تحريم الفرح الجماعي وبين ثقافة العنف الرمزي التي سبقت العشرية السوداء.

وتعيد هذه المواقف إلى الواجهة خطابات شخصيات معروفة مثل علي بلحاج، أحد رموز التيار المتشدد في التسعينيات، الذي ارتبط اسمه مباشرة بالسياق الذي قاد إلى العنف المسلح، وهو ما وثقته تقارير رسمية صادرة عن الدولة الجزائرية، إضافة إلى دراسات مستقلة مثل تقرير International Crisis Group (2000) حول جذور الأزمة الجزائرية.

الأكثر خطورة، بحسب مراقبين، هو التناقض الصارخ في مواقف التيارات المتأسلمة إقليميًا. ففي المغرب، تُسجَّل مواقف علنية لرموز إسلامية مثل محمد الفيزازي وعبد الإله بنكيران تتسم بالدفاع الصريح عن المصالح الوطنية المروكية، حتى عندما تتقاطع مواقفهم مع قضايا خارجية، فإنها تنتهي دائمًا إلى مواقف معادية للجزائر، وهي موثقة في تصريحات إعلامية منشورة بين 2020 و2024 في الصحافة المروكية الرسمية والمستقلة. في المقابل، يلاحظ غياب شبه كلي لأي بيانات أو مواقف رسمية لإسلاميي الجزائر تُدين هذه الخطابات، وهو ما تشير إليه أرشفة بيانات الأحزاب والجمعيات ذات المرجعية الإسلامية داخل الجزائر خلال العقد الأخير.

هذا التناقض ليس معزولًا عن السياق الدولي. فعدد من التقارير البحثية، من بينها تقرير البرلمان الأوروبي حول التطرف السياسي والديني (2021)، ودراسة RAND Corporation (2020) حول “شبكات الإسلام السياسي”، خلصت إلى أن حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، شكّلت البنية الفكرية التي تفرعت عنها معظم التنظيمات المتطرفة، من القاعدة إلى داعش، مع اختلاف السياقات والأساليب.

وفي السياق المغاربي، تشير تحليلات منشورة في مجلات أكاديمية مثل Mediterranean Politics (2022) إلى أن بعض التيارات المتأسلمة باتت توظَّف كأدوات ضغط سياسي عابر للحدود، تُستخدم في الصراعات الإقليمية، وهو ما يفسر تقاطع الخطاب الديني المتشدد أحيانًا مع أجندات سياسية خارجية، دون أن يتحول ذلك دائمًا إلى علاقات تنظيمية مباشرة قابلة للإثبات القضائي.

السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق ليس أخلاقيًا فقط، بل أمني وسيادي: كيف يمكن لدولة بحجم الجزائر، بتاريخها السيادي والنضالي، أن تتسامح مع خطاب يستعمل الدين كغطاء للطعن في الوطن، وتشويه مؤسساته، وضرب معنويات شعبه؟ خاصة في مرحلة إقليمية حساسة تشهد، باعتراف تقارير دولية مثل Global Risk Report 2025 (World Economic Forum)، تصاعد المخاطر الجيوسياسية وحروب التأثير والاختراق الناعم.

إن أخطر ما في هذا التيار ليس فقط خطابه، بل ازدواجيته، تشدد داخلي، وصمت خارجي، واصطفاف رمزي ضد الوطن عند كل لحظة اختبار. وبين هذا وذاك، تتأكد حقيقة باتت موثقة بالوقائع والدراسات والتجارب التاريخية، لا يمكن حماية الدولة والمجتمع دون مواجهة فكرية وقانونية واضحة لكل خطاب يوظف الدين ضد الوطن، ويحوّل الإيمان إلى أداة تفكيك بدل أن يكون عامل توحيد، ويصادر حق الشعب في الفرح والحياة باسم قداسة زائفة لا سند لها لا دينيًا ولا وطنيًا ولا إنسانيًا.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

“كان 2025”.. فضيحة دولية مكتملة الأركان

ما حدث في المواجهة التي جمعت السنغال بالمنتخب المستضيف في كأس إفريقيا لم يكن مجرد جدل تحكي…