الجزائر دولة مؤسسات… لا دولة روايات!
لم تكن القصة، في جوهرها، قصة زيارة، ولا اسمًا أجنبيًا في سجن جزائري، ولا حتى زوبعة إعلامية عابرة سرعان ما تُنسى. ما كان مطروحًا فعليًا، وبهدوء شديد، هو شكل الدولة، كيف تُرى؟ وكيف يُراد لها أن تُرى؟ ومن يملك مصلحة في أن تظهر الجزائر ككيان ردّ فعل، لا كدولة مؤسسات تضبط قراراتها بالقانون لا بالانفعال.
البداية لم تأتِ من بيان رسمي، ولا من قرار قضائي، ولا من وزارة معنية، بل من استوديو تلفزيوني محلي. هناك، خرج أحد “خبراء العلاقات الدولية”، مختومًا بعبارة “مصادر خاصة”، ليؤكد أن الجزائر ترفض السماح لعائلة الصحفي الفرنسي كريستوف غليز بزيارته في السجن، تطبيقًا لما سُمّي حينها “المعاملة بالمثل”، لأن فرنسا، حسب الرواية نفسها، لم تسمح لعائلة دبلوماسي جزائري مسجون على أراضيها بالزيارة. في دقائق معدودة، جرى تقديم العدالة الجزائرية وكأنها جهاز ردّ فعل، يتحرك بمنطق المقايضة العاطفية لا بمنطق الدولة.
لم تُعرض وثيقة، ولم يُذكر قرار، ولم يُنقل موقف رسمي. ومع ذلك، كانت الرسالة واضحة، هناك دولة تُدار بالانفعال، وقضاء يُستعمل للرد، ومؤسسات تُقايض الحقوق بالملفات. لم يكن هذا خبرًا، بل إيحاءً، والإيحاء، في العلاقات الدولية، أخطر من التصريح، لأنه يبني الانطباع دون أن يترك أثرًا يُحاسَب عليه.
بعد ذلك، وليس قبله، جاء الواقع ليكسر السردية من أساسها. وزير العدل، حافظ الأختام، لطفي بوجمعة، سمح رسميًا لرئيسة جمعية فرنسا–الجزائر، السيدة سيغولان رويال، بزيارة الصحفي الفرنسي كريستوف غليز في سجنه بتيزي وزو، بطلب منها، وفي إطار قانوني منظم. لا ضجيج، لا تبرير سياسي، لا ربط بملف آخر، ولا ردّ على أي ابتزاز إعلامي. قرار إداري هادئ، بارد، يعكس منطق الدولة لا منطق الانفعال.
وهنا، سقط البناء التلفزيوني كاملًا. لأن منطق “المعاملة بالمثل” تبخّر أمام أول إجراء فعلي. فلا رفض انتقامي، ولا حسابات ثأرية، ولا مقايضة دبلوماسية. فقط دولة سمحت بالزيارة، دون أن تمسّ بحكم قضائي نهائي، ودون أن تعيد توصيف الجريمة، ودون أن تفتح باب التأويل.
الزيارة تتم غدًا، والحكم بقي كما هو، سبع سنوات سجن نافذ بتهمة الإشادة بالإرهاب، حكم قضائي نهائي مؤيد في الاستئناف، مرتبط بتواصل المعني مع حركة “ماك” المصنفة منظمة إرهابية منذ سنة 2021. لا إعادة توصيف، لا تبييض ملف، لا تراجع عن إدانة. فقط فصل واضح بين ما هو إنساني وما هو قضائي، وبين ما يُسمح به قانونًا وما لا يُمسّ.
هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس، لماذا سمحت الجزائر بالزيارة؟ بل، لماذا أُريد لها ألّا تسمح؟ ولماذا كان هناك من يستبق الرفض، ويبني عليه تحليلًا، ويقدمه للرأي العام وكأنه حقيقة؟
الجواب ليس معقدًا. عدم السماح كان سيخدم رواية جاهزة، دولة غاضبة، قضاء انتقامي، مؤسسات تُدار بالعاطفة. رواية سهلة التصدير، سريعة الاستهلاك، قابلة للتدويل، وتمنح خصوم الجزائر مادة دسمة للطعن والتشكيك. في هذا السيناريو، لا يهم الحكم القضائي ولا مساره، بل تُختزل الدولة كلها في صورة قرار “غاضب” يُفسَّر فورًا كإجراء انتقامي مرتبط بتوتر دبلوماسي. هذه الصورة بالذات هي الأكثر طلبًا في السوق الإعلامية الدولية، لأنها بسيطة، مباشرة، وقابلة للتسويق دون الحاجة إلى شرح السياق أو تفكيك الوقائع.
عدم السماح كان سيمنح، كذلك، أطرافًا خارجية فرصة لإعادة تأطير الملف خارج إطاره القضائي. كان سيُقدَّم القرار، مهما كانت مبرراته، كدليل إضافي على خلط العدالة بالسياسة. وفي العلاقات الدولية، يكفي أن يُزرع الشك حتى يتحول إلى أداة ضغط، ويكفي أن يُلمَّح إلى “انتقام” حتى تُفتح أبواب التدويل أمام من يبحث عنها.
ومن زاوية فرنسية بحتة، فإن عدم السماح لم يكن ليخدم الدولة الفرنسية ككل، بقدر ما كان سيخدم أطرافًا سياسية وإعلامية محددة تبحث عن التصعيد. أطراف كانت ستستثمر القرار لتغذية خطاب متوتر، سواء لأغراض داخلية أو انتخابية، أو لإعادة بعث سردية “الملف الإنساني” في مواجهة ملف قضائي مُحرج. الرفض كان سيمنح هؤلاء مادة جاهزة، أما السماح فقد أفرغ الخطاب من شحنته وأعاد الملف إلى حجمه الطبيعي.
في المقابل، السماح لم يخدم إلا الجزائر، لأنه قطع الطريق على كل هذه السرديات دفعة واحدة. السماح أبقى الحكم قائمًا، والتهمة ثابتة، والمسار القضائي مغلقًا، لكنه في الوقت نفسه أثبت أن الدولة لا تحتاج إلى إجراءات استعراضية لتأكيد سيادتها. هذا النوع من القرارات لا يصنع عناوين مثيرة، لكنه يحمي صورة المؤسسات على المدى البعيد، ويُظهر أن الدولة لا تُدار بمنطق “الردّ”، بل بمنطق الفصل الصارم بين ما هو قضائي وما هو إنساني.
لهذا تحديدًا، كان عدم السماح “مفيدًا” لمن كتب الرواية مسبقًا، لأنه كان سيؤكدها، بينما السماح لم يكن مفيدًا لهم لأنه نسفها. فالفرق بين الخيارين أن الأول يخدم قصة، والثاني يخدم دولة.
والمفارقة أن الإساءة الأعمق للجزائر لم تأتِ من عبارة قيلت في قناة أجنبية، وهو أمر متوقع في سياق سياسي متوتر، بل من إيحاء محلي حاول أن يرسم الدولة وكأنها كيان ردّ فعل. لأن الإيحاء بأن الدولة نفسها تتصرف بمنطق غير مؤسساتي أخطر من كل الكلمات، وأثقل أثرًا من أي شتيمة عابرة.
ولهذا بدا غريبًا أن يخرج هذا الإيحاء من استوديو AL24، قناة الجزائر الدولية، حيث تحوّل التحليل إلى استباق للقرار، وتحولت “المصادر الخاصة” إلى بديل عن الوقائع، وكأن المطلوب لم يكن فهم ما ستفعله الدولة، بل افتراض ما يُراد لها أن تفعله. لم يُنقل خبر، بل رُسم سيناريو، ولم يُنتظر قرار، بل جرى التلميح إلى نية، وهي أخطر أشكال الخلل حين يُلبس الظن ثوب المعلومة.
ما فعله وزير العدل، في هذه اللحظة تحديدًا، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل تصحيحًا صامتًا لمسار كاد أن يُحرّف. خطوة تؤكد أن الجزائر ليست دولة ردود فعل، ولا دولة مزاج، بل دولة مؤسسات تعرف متى تفصل بين الإنساني والقضائي، ومتى تلتزم بالقانون دون أن تساوم عليه. وهذا، بالضبط، ما كان يجب أن يُقال، لا ما كان يُراد له أن يُقال.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
تفكيك شبكات دولية وحجز أزيد من 4,3 ملايين قرص مهلوس و8 قناطير من المخدرات
واصلت وحدات الجيش الوطني الشعبي، بمختلف مكوناته، توجيه ضربات موجعة لشبكات الجريمة المنظمة …







