عيد النصر في خطاب رئيس الجمهورية… من استعادة الذاكرة إلى تثبيت معادلة السيادة الشاملة
جاءت رسالة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بمناسبة إحياء الذكرى الرابعة والستين (64) لعيد النصر، الموافق لـ19 مارس، محمّلة بأبعاد تاريخية وسياسية واستراتيجية متداخلة، تعكس بوضوح كيفية توظيف الذاكرة الوطنية في قراءة الحاضر واستشراف المستقبل. فالخطاب لم يكن مجرد استعادة رمزية لحدث تاريخي مفصلي أنهى أكثر من 130 سنة من الاستعمار، بل جاء كوثيقة سياسية تؤطر المرحلة وتحدد معالم الرؤية الرسمية للدولة الجزائرية في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد.
في مستهل رسالته، وضع رئيس الجمهورية الحدث في سياقه التاريخي العميق، مؤكداً أن يوم 19 مارس يمثل لحظة إعلان نهاية “هيمنة استعمارية لأزيد من قرن وثلاثين عاماً”، واصفاً الاستعمار بأنه “استيطاني ظالم، فاقد لكل القيم الإنسانية، موغل في التقتيل والتدمير والنهب”. هذا التوصيف القوي لا يندرج فقط في إطار التذكير بجرائم الماضي، بل يعكس تمسك الدولة الجزائرية بسردية تاريخية واضحة تعتبر الاستعمار مشروعاً استيطانياً قائماً على الإبادة والاقتلاع، وليس مجرد مرحلة عابرة في تاريخ العلاقات بين الدول.
كما أبرز الخطاب، في بعده الرمزي، أن هذا الاستعمار “كان مرتجفاً مهزوزاً أمام قوة الحق”، في إشارة إلى أن النصر لم يكن نتيجة توازن قوى تقليدي، بل نتيجة إيمان شعبي عميق بقضية الحرية، وهو ما يعيد تثبيت فكرة مركزية الشعب في صناعة الاستقلال. وفي هذا السياق، استحضر الرئيس روح ثورة نوفمبر 1954، واصفاً إياها بأنها “ثورة مجيدة ممجدة لا تنطفئ جذوتها”، قادها رجال آمنوا بخيارين لا ثالث لهما: “حياة حرة كريمة أو ممات تحت راية الشهادة”.
هذا الاستحضار المكثف للبعد الثوري، مستحضراً مقطعاً من النشيد الوطني “قسماً”: “نحن ثرنا فحياة أو ممات وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر”، يعكس رغبة واضحة في إعادة ربط الحاضر بجذوره الثورية، ليس فقط كمرجع تاريخي، بل كإطار قيمي وأخلاقي تستند إليه الدولة في مواجهة التحديات الراهنة. فالخطاب يضع الثورة في موقع “المرجعية الحية” التي لا تزال توجه السياسات والخيارات الكبرى.
ولم يقتصر الخطاب على تمجيد الثورة، بل توسع في إبراز حجم التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري، مشيراً إلى أن النصر “دُوِّن بأنهار من الدماء ومآسٍ ودمار في كل مكان، وأرض محروقة ونهب ممنهج”. هذا التذكير بالتكلفة الباهظة للاستقلال يهدف إلى ترسيخ الوعي الجماعي بقيمة الدولة الوطنية، وإبراز أن الحفاظ عليها يتطلب نفس مستوى الالتزام والتضحية.
وفي انتقال واضح من الماضي إلى الحاضر، ركز رئيس الجمهورية على التحديات التي تواجهها الجزائر اليوم، وعلى رأسها “بناء الحصانة الاقتصادية” و”تعزيز دروع السيادة”، في ظل “ظروف إقليمية ودولية مضطربة”. هذا التحول في الخطاب يعكس إدراكاً رسمياً بأن معركة الاستقلال لم تنتهِ، بل انتقلت من المجال العسكري إلى المجالين الاقتصادي والاستراتيجي.
وفي هذا السياق، أشار الرئيس إلى أن الجزائر “حددت مسارها ووضعت في أولوياتها تعزيز قدرات الاقتصاد الوطني”، من خلال “إنجازات كبرى مهيكلة ومتكاملة ضمن مشروع تنموي استراتيجي متعدد الجبهات وعالي الطموحات”. هذا المقطع يحمل دلالات واضحة على توجه الدولة نحو بناء نموذج اقتصادي قائم على التنويع وتعزيز الإنتاج الوطني، كشرط أساسي لترسيخ السيادة.
كما شدد الخطاب على أن هذه المشاريع لا يمكن أن تتحقق إلا بفضل “إرادات وطنية صادقة متضافرة الجهود”، وهو ما يعكس توجهاً نحو تعبئة داخلية شاملة، تقوم على إشراك مختلف الفاعلين في مسار التنمية. وفي هذا الإطار، يبرز خطاب الرئيس كدعوة ضمنية إلى تعزيز الجبهة الداخلية، خاصة في ظل التحديات الخارجية المتزايدة.
ومن أبرز النقاط التي حملتها الرسالة أيضاً، التأكيد على أن الجزائر تسعى إلى أن تكون “منتصرة بمشاركة الجميع”، في إشارة إلى أن تحقيق الأهداف الوطنية لا يمكن أن يكون حكراً على مؤسسات الدولة فقط، بل يتطلب انخراطاً مجتمعياً واسعاً. هذا الطرح يعكس محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الشراكة في مواجهة التحديات.
كما لم تغب في الخطاب الإشارة إلى البعد الروحي والأخلاقي، من خلال الترحم على أرواح الشهداء وتجديد “عهد الوفاء لرسالتهم”، وهو عنصر أساسي في الخطاب السياسي الجزائري، حيث يتم استحضار الشهداء كرمز للوحدة الوطنية ومصدر للشرعية. هذا البعد يعزز من الطابع الرمزي للخطاب، ويمنحه بعداً يتجاوز السياسة إلى المجال القيمي.
وفي قراءة أوسع، يمكن القول إن رسالة رئيس الجمهورية تعكس مقاربة متكاملة تقوم على ثلاثية واضحة: الذاكرة، السيادة، والتنمية. فالذاكرة تُستخدم لتثبيت الهوية الوطنية ومواجهة محاولات التشكيك في التاريخ، والسيادة تُطرح كهدف استراتيجي في مواجهة التحولات الدولية، بينما تُقدَّم التنمية كوسيلة لتحقيق هذا الهدف وضمان استمرارية الدولة.
كما أن الخطاب يأتي في سياق دولي يتسم بتصاعد الصراعات وإعادة تشكيل موازين القوى، ما يجعل من تأكيد الجزائر على استقلال قرارها السياسي والاقتصادي رسالة موجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء. فالجزائر، وفق هذا الخطاب، لا تكتفي باستحضار ماضيها الثوري، بل تسعى إلى تحويله إلى قوة دافعة لبناء مستقبل أكثر استقلالية وصلابة.
لا يمكن قراءة رسالة عيد النصر بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه الجزائر، فهي ليست مجرد خطاب احتفالي، بل إعلان سياسي يعيد التأكيد على أن معركة الجزائر مستمرة، ولكن بأدوات جديدة وعناوين مختلفة. وإذا كان جيل الثورة قد انتصر بالسلاح، فإن رهان المرحلة الحالية، كما يبرز من الخطاب، هو تحقيق نصر من نوع آخر، نصر اقتصادي وسيادي يضمن للجزائر مكانتها في عالم يتغير بسرعة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
مسجد باريس يعلن رسمياً: عيد الفطر في فرنسا يوم الجمعة 20 مارس 2026
أعلن مسجد باريس الكبير رسمياً أن عيد الفطر لعام 1447 هجري / 2026 ميلادي في فرنسا سيكون يوم…











