‫الرئيسية‬ الأولى التوترات الدبلوماسية.. عقبة أمام التعاون الأمني: هل فقدت باريس مصداقية محاربة الفساد والإرهاب؟
الأولى - الوطني - 12 مارس، 2025

التوترات الدبلوماسية.. عقبة أمام التعاون الأمني: هل فقدت باريس مصداقية محاربة الفساد والإرهاب؟

التوترات الدبلوماسية.. عقبة أمام التعاون الأمني: هل فقدت باريس مصداقية في محاربة الفساد والإرهاب؟
لطالما كانت اتفاقيات تسليم المجرمين من الأسس التي تقوم عليها العلاقات بين الدول، بهدف ضمان العدالة وحماية الأمن الوطني في جميع أنحاء العالم. ومن بين هذه الاتفاقيات، تم إبرام اتفاقية بين حكومة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وحكومة الجمهورية الفرنسية في عام 2021، تتعلق بتسليم المجرمين. كما تم التوقيع على اتفاقية سابقة في عام 1965 بشأن تنفيذ الأحكام وتسليم المجرمين، التي كانت تهدف إلى تسهيل التعاون القضائي بين الجزائر وفرنسا في هذا المجال.

ولكن، على الرغم من هذه الاتفاقيات الموقعة، تكشف الوقائع عن تجاوزات فرنسية تمس مصداقية هذه الاتفاقيات. فقد أصبحت فرنسا في العديد من الحالات ملاذًا للمجرمين الهاربين من العدالة، خاصة أولئك الذين يمثلون تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني الجزائري، مما يجعلها تتجاهل التزاماتها الدولية التي تفرضها الاتفاقيات.

فرنسا تتهرب من تسليم المجرمين

في ظل هذا السياق، رفضت العدالة الفرنسية في 5 مارس 2025 طلب الجزائر لتسليم عبد السلام بوشوارب، الوزير الأسبق في حكومة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، رغم أنه قد أُدين في الجزائر في خمس قضايا فساد كبرى. وعلى الرغم من صدور أحكام قضائية ضده تصل إلى مئة عام من السجن، أصر القضاء الفرنسي على رفض تسليمه بحجة مشكلات صحية يواجهها بوشوارب، بالإضافة إلى مزاعم تتعلق بالظروف السجنية في الجزائر.

هذا الموقف الفرنسي يثير العديد من التساؤلات حول حماية العدالة الفرنسية للفاسدين الهاربين من العدالة، حيث إن بوشوارب ينتمي إلى مجموعة من المسؤولين الجزائريين المتورطين في فساد ونهب المال العام. وبالتالي، يزداد التساؤل حول مدى جدية فرنسا في الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاقيات الموقعة مع الجزائر.

قضايا إرهابية وتعاون قضائي مفقود

من جهة أخرى، في 17 يناير 2024، قضت محكمة الجنايات الجزائرية بالسجن لمدة 20 عامًا على فرحات مهني، زعيم الحركة الإرهابية «ماك» التي تدعو إلى انفصال منطقة القبائل. تم اتهام مهني وغيره من المتهمين بارتكاب أعمال إرهابية وتخريبية تهدد أمن الدولة ووحدتها الوطنية. ورغم إصداره مذكرات دولية بحقهم، وكون مهني يقيم في فرنسا ويحمل صفة لاجئ سياسي، فإن فرنسا تستمر في حماية هؤلاء المتورطين في أنشطة تهدد استقرار الجزائر.

هذه القضية تعكس بشكل صارخ غياب التنسيق الفعلي بين الجزائر وفرنسا في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. ففي الوقت الذي تحاول فيه الجزائر تحقيق العدالة لمواطنيها، تواصل فرنسا حماية المجرمين بناءً على مبررات متباينة لا تبدو مقنعة. هذا الوضع يؤدي إلى تدهور العلاقات الثنائية، وقد اعترفت المديرة العامة للمديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسية (DGSI)، سيلين بيرثون، في تصريحات لها في مارس 2025، أن التعاون الأمني بين البلدين أصبح “صعبًا” في ظل الأوضاع السياسية الحالية.

هذا الوضع يعكس أزمة ثقة كبيرة بين الجزائر وفرنسا، حيث تتزايد التوترات على خلفية قضايا متعددة مثل قضية الصحراء الغربية، ورفض فرنسا استعادة المهاجرين غير الشرعيين من الجزائر، وكذلك الخلافات حول اعتقال الكاتب الجزائري- الفرنسي بوالم صنصال.

حماية المفسدين.. تساؤلات حول دوافع فرنسا

إن مواقف فرنسا هذه تثير تساؤلات عميقة حول دوافع الحماية التي تقدمها لبعض الأشخاص المتورطين في قضايا فساد أو أنشطة إرهابية. ففي الوقت الذي تدعي فيه فرنسا دعمها لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، تواصل تقديم الحماية لأولئك الذين ارتكبوا جرائم خطيرة، مما يتناقض بشكل صارخ مع المبادئ التي تتبناها فرنسا.

من جهة أخرى، تحاول الجزائر تحقيق العدالة لشعبها من خلال محاكمة الفاسدين والمفسدين، وتأمل أن تتعاون العدالة الفرنسية بدلاً من أن تكون عقبة أمامها في محاكمة هؤلاء الأفراد الذين يشكلون تهديدًا لأمنها واستقرارها. ولكن، في ظل هذه الممارسات العدلية المتحيزة، يبدو أن هناك من يسعى إلى حماية الفاسدين عبر رفض تسليمهم إلى القضاء الجزائري، مما يعرقل محاكمة هؤلاء الأشخاص الذين يجب أن يواجهوا العقوبات المستحقة.

على الرغم من الاتفاقيات الموقعة بين الجزائر وفرنسا بشأن تسليم المجرمين، فإن فرنسا تتجاهل بشكل مستمر التزاماتها تجاه الجزائر في هذا المجال. الوضع الحالي يعكس غياب التعاون الفعلي بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وهو ما يهدد استقرار العلاقات الثنائية. من المهم أن يتم تفعيل التعاون الأمني والقضائي بين البلدين، استنادًا إلى مبادئ العدالة الدولية واحترام سيادة الدول، بما يضمن محاسبة المجرمين على جرائمهم ويعيد الثقة في العلاقات الجزائرية الفرنسية.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

رئيس الجمهورية يطلق إصلاحات هيكلية في المكننة الفلاحية

ترأس اليوم رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، اجتماع عمل خُصّص لملف المكننة الفلاحية، …