قرار منع المناصرين… بطاقة حمراء في ملعب الغضب
اهتزت الجزائر على وقع حادث أليم راح ضحيته أربعة مناصرين ووالدة مناصر من أنصار نادي مولودية الجزائر. مأساة أعادت إلى الواجهة السؤال المؤجل دائمًا، لماذا تتحول ملاعب الكرة إلى أماكن للموت بدل أن تكون فضاءات للفرح والانتماء؟
وبينما لا تزال لجنة التحقيق التي أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بتشكيلها تواصل عملها لتحديد أسباب ما جرى بمحيط ملعب 5 جويلية، خرجت الفيدرالية الجزائرية لكرة القدم بقرار مفاجئ وغير مسبوق يقضي بمنع جماهير الفرق الزائرة من حضور مباريات فرقهم خارج الديار. قرار أحادي الجانب يفتقر إلى الرؤية التحليلية، ويبدو كأنه محاولة للتغطية على عجز مزمن في التسيير أكثر من كونه حلاً لمشكلة قائمة.
الضحايا الذين سقطوا في المأساة الأخيرة هم من أنصار الفريق المستضيف، وقد وقعت الفاجعة في ملعب ناديهم، وليس في ملعب الخصم. ومع ذلك، اختارت الفيدرالية أن توجه الاتهام الضمني إلى جماهير الفرق الزائرة، متناسية أن العنف في الملاعب لا يرتبط دائمًا بالضيف بل قد تكون أسبابه محلية، ناتجة عن فوضى تنظيمية، غياب للتأطير الأمني المحكم، وسوء في تقدير حجم الجماهير المتوافدة.
الأخطر في هذا القرار أنه جاء قبل صدور أي نتيجة رسمية من لجنة التحقيق. فكيف يمكن لمسؤول أن يستبق نتائج التحقيق بتدابير إقصائية دون أن يكون على دراية كاملة بحيثيات ما حدث؟ كان الأحرى بالفيدرالية أن تنتظر التقرير النهائي ثم تبني قراراتها على أسس واضحة، تستند إلى معلومات وتحقيقات ميدانية لا إلى انطباعات شخصية أو ضغوط إعلامية.
قرار منع المناصرين من التنقل لمؤازرة فرقهم خارج ملاعبهم لا يعكس فقط سوء تقدير، بل يشكّل تعديًا مباشرًا على حرية التنقل، ويضع الدولة أمام اختبار أخلاقي وقانوني في التعامل مع الشباب. كرة القدم اليوم لم تعد مجرد لعبة، بل تحوّلت إلى المتنفس شبه الوحيد للجزائريين، خاصة في ظل وضع اقتصادي واجتماعي صعب. مناصر من بشار أو ورقلة أو تمنراست، حين يسافر إلى العاصمة أو إلى مدن أخرى لمتابعة فريقه، لا يفعل ذلك فقط من أجل مباراة، بل يعيش لحظة انتماء عاطفي حقيقي إلى الوطن. فهل من المنطقي أن يُحرم من هذا الحق؟
تداعيات هذا القرار لن تتوقف عند حد التضييق على الجماهير، بل قد تؤدي إلى مضاعفات غير محسوبة. فحين يُمنع الشباب من التنقل والتعبير عن ولائهم الرياضي، تتحول الملاعب إلى ساحات فارغة، وتفقد كرة القدم دورها كقوة ناعمة توحّد الشعور الوطني وتُخفف من الضغط الاجتماعي. والأسوأ من ذلك أن هذا النوع من الإجراءات يخلق فرزًا مناطقيًا غير معلن، يرسّخ التمييز بدل أن يعالجه.
ما كان يجب فعله هو تحسين تسيير الملاعب لا إفراغها من جمهورها. التجارب الأوروبية في هذا المجال لا تُعدّ ولا تُحصى، ويمكن الاستفادة منها بجدية بدل الاكتفاء بالتقليد السطحي. ففي هذه الدول تُباع التذاكر إلكترونيًا وبطريقة مرقمنة، ويُتحكم في حركة المناصرين بدقة قبل دخولهم إلى محيط الملعب. التنظيم يشمل مسارات النقل الجماعي، وتحديد مواقع الركن، وضبط مداخل المدرجات بكاميرات المراقبة، وكل شيء يُدار بحس أمني رياضي محترف لا يخضع للارتجال. الأهم من ذلك أن قوانين الدخول واضحة، وكل مخالفة تقابلها عقوبة محددة ومعلنة، مما يخلق ثقافة احترام مهيكلة، لا ثقافة عقاب جماعي أعمى.
إن مثل هذه الخطوات لا يمكن استنساخها بالكامل بين ليلة وضحاها، لكنها على الأقل توفّر نماذج حقيقية يمكن اقتباسها وتكييفها مع السياق الجزائري، بدل تبرير الفشل بسلوك الجمهور فقط.
القرارات الارتجالية لا تصنع حلولًا، بل تفتح أبوابًا للفوضى والتوتر. والمؤسف أن الفيدرالية قررت أن تحمّل جمهور الفرق الزائرة وزر خلل في التنظيم، متجاهلة أن المسؤولية الأكبر تقع على من لم يحسنوا تقدير حجم الحدث، ولا احتوائه في الوقت المناسب.
أما الشباب الذي فُقد في هذا الحادث، فهم أبناء الجزائر جميعًا. من حقهم أن يجدوا في وطنهم مكانًا آمنًا للفرح. ومن واجب الدولة أن تحميهم من خطر العنف، لكن أيضًا من قرارات غير محسوبة العواقب.
اتقوا الله في شباب الجزائر. لا تقتلوا فيهم ما تبقى من أمل. دعوهم يتنفسون عبر المدرجات، يتنقلون بين المدن، ويصرخون بألوان أنديتهم. لا تحرموهم من الوطن تحت ذريعة الأمن. فالأمن لا يتحقق بالعقاب الجماعي، بل بالحكمة، والمهنية، والاحترام المتبادل بين المؤسسات والمواطن.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
“كان 2025”.. فضيحة دولية مكتملة الأركان
ما حدث في المواجهة التي جمعت السنغال بالمنتخب المستضيف في كأس إفريقيا لم يكن مجرد جدل تحكي…







