‫الرئيسية‬ الأولى من فلسطين إلى الصحراء الغربية…”فضيحة نيويورك” تسقط قناع حمس!
الأولى - الافتتاحية - 29 سبتمبر، 2025

من فلسطين إلى الصحراء الغربية…”فضيحة نيويورك” تسقط قناع حمس!

من فلسطين إلى الصحراء الغربية…"فضيحة نيويورك" تسقط قناع حمس!
شارك النائب عن الجالية الجزائرية بفرنسا عبد الوهاب يعقوبي في الجلسة الموازية التي انعقدت على هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك بين 23 و29 سبتمبر 2025، في خطوة وُصفت بالفضيحة السياسية التي تمسّ بسمعة الجزائر ومواقفها الثابتة إزاء القضية الفلسطينية.

لم يكن الأمر مجرد حضور عابر في نشاط جانبي للأمم المتحدة، بل جاء في جلسة ذات وزن سياسي ودبلوماسي كبير، نظمتها المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن، وحضرها ممثل رسمي للكيان الصهيوني. الأخطر أنّ يعقوبي لم يكتف بالحضور كمستمع، بل شارك بصفته مقرراً لبرلمان البحر الأبيض المتوسط مكلفاً بملف الذكاء الاصطناعي، ومتحدثاً رئيسياً في الجلسة، وهو ما أضفى على مشاركته طابعاً رسمياً وثقلاً رمزياً لا يمكن التهوين من تداعياته. هكذا وجد الجزائريون أنفسهم أمام مشهد مرفوض وطنياً وشعبياً، حيث جلس نائب محسوب على الجزائر في قاعة واحدة مع ممثل للاحتلال، بما يوحي ــ ولو ضمنياً ــ بقبول الأمر الواقع أو الاعتراف بوجوده في فضاءات أممية، وهو ما يتعارض تماماً مع الثوابت الوطنية ومع الموقف الرسمي الذي يرفض أي شكل من أشكال التطبيع.

جاء رد فعل حركة مجتمع السلم سريعاً ومشحوناً بالغضب، إذ أصدرت بياناً رسمياً أكدت فيه أنّ ما قام به النائب يمثل خطأ شخصياً معزولاً لا يمت بصلة إلى الحركة ولا إلى مواقفها. البيان شدد على أنّ “مجرد حضور اجتماع يشارك فيه ممثل الكيان الصهيوني يعدّ سلوكاً مرفوضاً من أي كان، مهما كانت أسبابه أو أشكاله أو مبرراته”، مضيفاً أنّ الحركة لن تتساهل مع أي فعل يمكن أن يُقرأ كتطبيع سياسي أو برلماني. ولإبراز تناقض سلوك النائب، ذكّرت الحركة بأن يعقوبي نفسه كان قد استقال في الخامس والعشرين من أفريل 2025 من مكتب برلمان البحر الأبيض المتوسط للسبب ذاته المتعلق بوجود “إسرائيل” في هذه المؤسسة، وذلك بعد تشاور مع قيادة الحركة ورئيس المجلس الشعبي الوطني، في خطوة صوّرت حينها على أنها موقف مبدئي يحترم الثوابت الوطنية. لكن سرعان ما عاد الرجل ليكرر الخطأ ذاته بعد أشهر قليلة، وفي محفل أممي أكثر حساسية وأوسع صدى إعلامي، وهو ما جعل القضية تتجاوز حدود الزلة الفردية لتتحول إلى فضيحة سياسية كشفت عن خلل في الانضباط الحزبي واستخفاف بالمسؤولية الوطنية.

إنّ مشاركة يعقوبي في هذا الاجتماع تمثل تطاولاً خطيراً على صلاحيات رئيس الجمهورية، الذي يمنحه الدستور وحده السلطة الحصرية في رسم السياسة الخارجية وتمثيل الدولة الجزائرية في المحافل الدولية. فالعلاقات الدولية ليست ملعباً مفتوحاً لكل من يبحث عن بريق شخصي أو وجاهة دبلوماسية، بل هي مجال سيادي محفوظ للمؤسسات العليا للدولة، ولا يحق لأي نائب أن يتجاوز حدوده ويضع الجزائر في مواقف محرجة أو ملتبسة. الرئيس عبد المجيد تبون صرّح مراراً أنّ الجزائر لن تفكر في أي شكل من أشكال التطبيع إلا يوم قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، وهو موقف واضح لا يحتمل التأويل. ومع ذلك، جاء حضور يعقوبي في نيويورك ليمنح خصوم الجزائر مادة دعائية للتشكيك في صلابة مواقفها، وليضع الدولة في موقع لا يليق بتاريخها الثوري ولا بدورها الإقليمي الرافض لأي تقارب مع “إسرائيل”. بهذا المعنى، فإن ما حدث لم يكن مجرد خطأ شخصي، بل تعدياً على الخطوط الحمراء التي رسمتها الدولة وأكدتها على أعلى مستوى.

وإذا كان من الطبيعي أن تُسارع حمس إلى التبرؤ من نائبها لتفادي الغضب الشعبي، فإن هذا لا يعفيها من المسؤولية الأخلاقية والسياسية. فالحركة التي قدّمت يعقوبي في المحافل الدولية تعرف جيداً أن برلمان البحر الأبيض المتوسط يضم “إسرائيل” كعضو كامل الحقوق، وتدرك أن أي نشاط أممي أو إقليمي قد يشهد مشاركة ممثلين عن الاحتلال، ومع ذلك دفعت بنائبها إلى واجهة هذه المواقع. ثم حين تقع الفضيحة، تسارع إلى وصفها بـ”الخطأ المعزول” وتلقي اللوم على الفرد، وكأنها لا تتحمل شيئاً. هذا السلوك يفضح تناقضاً كبيراً بين الخطاب والممارسة، فالحركة التي لا تتوقف عن رفع شعارات مناصرة فلسطين ورفض التطبيع، تجد نفسها عملياً في قلب مشهد دولي يطبع حضورها مع الكيان الصهيوني، ولو بشكل غير مباشر. كيف يمكن للجزائريين أن يثقوا بعد اليوم بخطاب يرفع شيئاً ويفعل نقيضه على الأرض؟

الأدهى من كل ذلك هو ازدواجية حمس الصارخة بين تعاملها مع القضية الفلسطينية وتعاملها مع القضية الصحراوية. فبينما تملأ الدنيا بيانات وصرخات دفاعاً عن فلسطين، وتعتبرها “قضيتها المركزية الأولى”، تلتزم صمتاً مريباً تجاه القضية الصحراوية، التي هي قضية تصفية استعمار وحق تقرير مصير معترف به دولياً، وتمس بشكل مباشر الأمن القومي للجزائر. لماذا لا تتعامل الحركة بالحدة نفسها مع ملف الصحراء الغربية؟ لماذا لا تصدر البيانات النارية ولا تنظّم الحملات الإعلامية الصاخبة دفاعاً عن حق الشعب الصحراوي كما تفعل مع فلسطين؟ هذا الكيل بمكيالين يكشف أن القضية الفلسطينية بالنسبة لبعض التيارات الإخوانية ليست سوى ورقة انتخابية ودعائية، بينما تُرك ملف الصحراء جانباً لأنه يحرج حسابات حزبية ضيقة أو يقطع مع تحالفات غير معلنة. في المحصلة، يظهر أن مواقفهم ليست مبدئية بل انتقائية، وأنّ شعار “رفض التطبيع” ليس إلا أداة للمتاجرة السياسية.

حادثة نيويورك تكشف بوضوح أن الشعارات الرنانة تنهار عند أول اختبار، وأنّ الدفاع عن الثوابت الوطنية لا يمكن أن يُترك لمزايدات حزبية أو اندفاعات فردية. لقد أساء النائب يعقوبي إلى صورته الشخصية، لكنه قبل ذلك أساء إلى صورة الجزائر، وأجبر حركته على الدفاع عن نفسها بطريقة مرتبكة، وأعطى أعداء الجزائر فرصة للتشكيك في تماسك مواقفها. وإذا كان البيان الحزبي قد وصف الحادثة بأنها خطأ فردي، فإن الواقع يقول إنها أزمة أعمق تتعلق بالمصداقية وبالفجوة الكبيرة بين الخطاب والواقع. الجزائر أكبر من أن تُختطف صورتها من قبل نائب محدود الرؤية، وأعظم من أن يُزج باسمها في مشاهد تطبيع ولو كان غير مباشر مع “إسرائيل”. إنّ حماية الثوابت الوطنية واجب على الجميع، لكن ما فعله يعقوبي يثبت أن بعض السياسيين مستعدون للتفريط فيها مقابل دقائق من المجد الشخصي على منصة دولية.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

فيديو مغربي يُستعمل لتشويه صورة الجزائريين!

انتشر خلال الساعات الأخيرة على نطاق واسع مقطع فيديو يُظهر مشاهد أبواق سيارات وألعابًا ناري…