‫الرئيسية‬ الأولى “الجريدة الرسمية” خارج المرجعية الجزائرية!
الأولى - الافتتاحية - الحدث - الوطني - رأي - ‫‫‫‏‫9 دقائق مضت‬

“الجريدة الرسمية” خارج المرجعية الجزائرية!

"الجريدة الرسمية" خارج المرجعية الجزائرية!
صُعِقتُ وأنا أطالع ترويسة الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، العدد 54، السنة الثانية والستون، الصادر يوم الأربعاء 19 صفر 1447 هـ، الموافق 13 غشت 2025، بعد أن وقفتُ على تسمية شهر أوت/أغسطس تحت اسم “غشت”. الأمر لا يتعلق هنا بزلة مطبعية عابرة، بل بلفظ مُثبت في وثيقة سيادية يُفترض أن تمثل أعلى درجات الانضباط اللغوي والتحرير الإداري، وهو ما يجعل الخطأ أكثر خطورة، لأنه صادر عن مرجع رسمي يُبنى عليه ولا يُبنى ضده.

تسمية “غشت” ليست تسمية عربية الجذر، ولا جزائرية الاستعمال تاريخيًا، بل تعود في أصلها إلى الاسم اللاتيني Augustus، المرتبط بالإمبراطور الروماني، والذي انتقل إلى اللغات الرومانسية بصيغ متعددة مثل Agosto في الإسبانية والبرتغالية وAoût في الفرنسية. أما الصيغة “غشت” فهي تحوير صوتي مغاربي ترسّخ في المغرب ضمن منظومة محلية خاصة بتسمية الأشهر، وأصبح جزءًا من التقويم الميلادي المعتمد إداريًا ورسميًا في المملكة المغربية. الإشكال هنا ليس في الأصل اللاتيني، بل في سياق الاعتماد المعياري، لأن كل دولة حين تعتمد تسمية شهر، فهي لا تعتمد لفظًا معزولًا، بل تعتمد منظومة تقويمية كاملة ذات حمولة مؤسساتية وثقافية.

من هذا المنطلق، يطرح إدراج تسمية “غشت” في الجريدة الرسمية الجزائرية سؤالًا جوهريًا لا يمكن القفز عليه: كيف لوثيقة سيادية جزائرية أن تتداول، ولو ضمنيًا، صيغة تنتمي إلى تقويم ميلادي غير معتمد في الجزائر؟ فالدولة التي تملك تقاليد إدارية وقانونية راسخة لا تستعير صيغها المرجعية من خارج منظومتها، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالتاريخ، الذي يُعد عنصرًا تأسيسيًا في الصياغة القانونية والتنظيمية.

كمسؤول للنشر في جريدة “المؤشر”، سبق لي منذ بداية المشوار أن نبهت إلى خطورة التساهل في نقل المصطلحات من سياقاتها الجغرافية والمؤسساتية دون وعي بحمولتها المعيارية. غير أن ما يثير القلق اليوم هو أن هذا التساهل لم يعد محصورًا في الاستعمال الإعلامي أو التداول الشعبي، بل تسلل إلى وثيقة رسمية مرجعية، ما يعني أن الخلل لم يعد لغويًا فقط، بل أصبح خللًا في منظومة المراجعة والتحرير داخل مؤسسة سيادية.

الجزائر لا تعاني أي فراغ في تسمية الأشهر حتى تلجأ إلى استيراد صيغ غيرها. فهي تملك منذ الاستقلال منظومة واضحة في التعريب الإداري للأشهر ذات الأصل اللاتيني (جانفي، فيفري، مارس… وصولًا إلى أوت/أغسطس)، كما أن الفضاء العربي يزخر بمنظومة أخرى متكاملة ذات أصل سرياني آرامي (كانون، شباط، أيلول…) معتمدة في بلدان المشرق. أما الانتقاء العشوائي لصيغة مغاربية محلية من منظومة أخرى، وإقحامها داخل وثيقة رسمية جزائرية، فهو خروج عن منطق الدولة ومعاييرها.

تكمن خطورة هذا النوع من الأخطاء في كونه، حين يُدوَّن رسميًا، يتحول بسرعة إلى مرجع، ثم إلى عرف إداري، ثم إلى قاعدة يُعاد إنتاجها في نصوص لاحقة، قبل أن يصبح تصحيحه أمرًا بالغ الصعوبة. فالجريدة الرسمية ليست فضاءً للاجتهاد اللغوي، بل أداة ضبط وتوحيد، وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على باقي المؤسسات.

إن تصحيح ما ورد في العدد 54 من الجريدة الرسمية ليس مسألة شكلية أو لغوية ثانوية، بل ضرورة مؤسساتية تمس صميم المرجعية الوطنية. فالدقة في التواريخ لا تقل أهمية عن الدقة في القوانين، والهوية المعيارية لا تُصان بالتساهل ولا بالنسخ غير الواعي. وإذا كان اليوم “غشت”، فالسؤال مشروع وبكل وضوح، ماذا يمنع غدًا من أن نقرأ “دجنبر” في وثيقة رسمية جزائرية؟ المسألة ليست اسم شهر، بل حدود المرجعية، وحدود ما هو جزائري وما ليس كذلك.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

غرينلاند تفجّر “الناتو”… وصمت أوروبي أمام طموحات ترامب

بعد سنوات من الخطاب الأوروبي المكثف حول ما سُمّي بـ«التهديدات الروسية» و«نوايا التوسع شرقً…