القاعدة تتمدد والجيش يتأهب… حرب باردة تُشعل الساحل
دخلت منطقة الساحل والصحراء منذ سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا عام 2011 في مرحلة اضطراب مزمن، تراكمت فيها الأزمات الأمنية وتعاظم فيها الانهيار المؤسسي في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وفّر هذا المناخ بيئة مثالية لتمدد الجماعات الجهادية التي انتقلت من حالة “التمرد” إلى حالة “الإدارة”، ومن مجرد خلايا مسلحة إلى تنظيمات تتحكم بمناطق واسعة، وتفرض قوانينها، وتجبي الضرائب، وتُقيم محاكم شرعية على غرار ما تفعله طالبان.
واجهت الجزائر هذا التحول بوعي استراتيجي متصاعد، إذ لم تعد أمام مشهد لجماعات معزولة في أعماق الصحراء، بل أمام منظومة عابرة للحدود تنمو بهدوء وتتغلغل نحو الجنوب الجزائري، مما يجعل من مراجعة المفاهيم التقليدية للأمن القومي والسياسة الخارجية ضرورة لا خيارًا.
أكد تقرير صادر في مايو 2025 عن “مشروع بيانات النزاع المسلح وموقع الأحداث” (ACLED) أن “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (GSIM)، المرتبطة بتنظيم القاعدة، تسيطر فعليًا على أكثر من 65٪ من شمال ووسط مالي. هذا التمدد الميداني ليس مجرد ظاهرة أمنية ظرفية، بل يشكل تحولًا نوعيًا يُذكّر بسيناريوهات الانهيار التي عرفتها دول مثل الصومال وأفغانستان.
تأسست جماعة GSIM عام 2017 نتيجة اندماج عدة فصائل متشددة، وبدلًا من الاكتفاء بالهجمات المتفرقة، سعت منذ ذلك الحين إلى إقامة منظومة حكم محلية، حيث تدير شؤون السكان في مناطق مثل تمبكتو وكيدال، وتفرض الضرائب، وتنظم عمليات “قضائية” على طريقتها، وتنفذ اغتيالات منظمة بحق خصومها المحليين.
جاء انسحاب القوات الفرنسية (بركان) والأممية (مينوسما) من مالي سنة 2023 ليمنح هذه الجماعات فرصة ذهبية لفرض سيطرة فعلية على الأرض، في ظل غياب كلي لمؤسسات الدولة المالية في الشمال، وقد شكّل سقوط كيدال تتويجًا لهذه السيطرة، وفتح المجال أمام تمدد إضافي شرقًا وجنوبًا.
حافظت الجزائر على يقظة أمنية عالية تجاه ما يحدث عبر حدودها الجنوبية، خاصة وأنها تتقاسم مع مالي والنيجر حدودًا تتجاوز 1400 كيلومتر. هذه الحدود لا تُختزل في خطوط جغرافية، بل تمثل نقاط تماس حقيقية مع شبكات تهريب السلاح، وتجارة البشر، والتنظيمات المتشددة، ضمن فضاء صحراوي شاسع ومعقد.
في مارس 2024، أعلنت وزارة الدفاع الوطني عن إحباط محاولة تسلل إرهابي عبر تمنراست، وهو ما يؤكد جاهزية المنظومة الدفاعية، ويثبت فعالية الجدار الرملي الدفاعي الذي شيدته الجزائر منذ عام 2018 على طول حدودها مع مالي، والذي لعب دورًا محوريًا في تقليص قدرة الجماعات على اختراق الحدود. لم يكن هذا الإنجاز معزولًا، بل جاء في سياق سلسلة من العمليات الناجحة التي نفذها الجيش الجزائري في إطار استباقي لحماية العمق الوطني من التهديدات العابرة.
سجلت الأجهزة الأمنية الجزائرية، وفق ما نُشر في موقع Jeune Afrique، مؤشرات قوية على نية التنظيمات الجهادية استهداف الحدود الجزائرية انطلاقًا من المناطق الصحراوية المفتوحة. وقد أُشير أيضًا إلى احتمال وجود خلايا نائمة تنتظر الفرصة للتفعيل في المناطق الحدودية، وهو ما يضاعف من أهمية التحصين الداخلي والعمل الاستخباراتي المستمر.
دفعت الفوضى الأمنية في شمال مالي والنيجر إلى موجات نزوح جماعية، خصوصًا من قبائل الفولاني والطوارق، حيث تشير تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى احتمال تدفق أكثر من ثلاثين ألف نازح نحو الحدود الجزائرية خلال النصف الثاني من عام 2025. ورغم البعد الإنساني الواضح في هذه الكارثة، فإن التجربة الليبية سنة 2011 لا تزال تلقي بظلالها، بعدما تسللت عناصر إرهابية ضمن موجات اللاجئين واستطاعت إقامة خلايا نشطة في العمق الجزائري. هذه التجربة تحتم على السلطات الجزائرية التعامل مع النزوح من زاويتين: احتواء إنساني لا يُفرط في المبادئ، وتحكم أمني لا يُفرّط في السيادة.
واجهت الجزائر في الوقت ذاته تهديدًا من نوع آخر يمس عمقها الاستراتيجي الاقتصادي، حيث بات مشروع “الأنبوب العابر للصحراء” (TSGP)، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مرورًا بالنيجر، مهددًا نتيجة تنامي العنف المسلح. في تقرير صادر عن منظمة Global Energy Monitor في يناير 2025، جاء التحذير واضحًا: “إن تصاعد الهجمات الإرهابية في شمال النيجر ووسط مالي يهدد استكمال المشروع”، وهو مشروع تراهن عليه الجزائر لتأمين موقعها كممول موثوق للطاقة نحو أوروبا..
جاءت هذه التهديدات في وقت تتسارع فيه التغيرات الجيوسياسية في منطقة الساحل، حيث تتواجد ميليشيات “أفريكا كور”، الذراع الجديدة لمجموعة فاغنر الروسية، في شمال مالي والنيجر، بدعم من أنظمة عسكرية انقلابية حاكمة. في المقابل، تتحرك فرنسا لتعزيز نفوذها عبر شراكات أمنية مع تشاد والسنغال، بينما تسعى تركيا لتوسيع حضورها من خلال إرسال مستشارين عسكريين تابعين لشركة “صادات” إلى بوركينا فاسو. كل هذا جعل من منطقة الساحل ساحة مفتوحة لصراع النفوذ، وأدخلها في منطق الحرب الباردة الجديدة بغطاء أمني.
دفعت هذه المستجدات الجزائر إلى مراجعة خياراتها. فمبدأ “عدم التدخل”، الذي ميّز السياسة الخارجية الجزائرية لعقود، يُوضع اليوم على المحك. إذ لم يعد ممكنًا الاكتفاء بالتحصين الداخلي في مواجهة منظومات جهادية تتقدم بثقة، وقوى أجنبية تسابق الزمن لملء الفراغات. الحياد في مثل هذا السياق قد يُقرأ دوليًا وإقليميًا كنوع من التراجع، وهو ما يفتح النقاش داخل المؤسسات الجزائرية حول ضرورة الانتقال إلى “عقيدة هجومية” جديدة تقوم على التحرك الاستباقي، والتنسيق الاستخباراتي العابر للحدود، وتحيين استراتيجيات الانتشار العسكري جنوبًا، إلى جانب المبادرات الدبلوماسية الموجهة لبناء جبهة إقليمية موحّدة.
أثبت التاريخ الحديث – من الصومال إلى سوريا، ومن العراق إلى أفغانستان – أن ترك الجماعات الجهادية تؤسس كيانًا مستقرًا على الحدود لا يعني فقط خطرًا على السيادة، بل هو إعلان غير مباشر لحرب لا تنتهي. وتعلم الجزائر، بما راكمته من خبرة في مكافحة الإرهاب، أن التهديد الحقيقي لا يأتي من مقاتل يحمل بندقية، بل من فكرة تحمل مشروعًا، تجد في هشاشة الدول تربة خصبة، وتنتقل من هامش الصحراء إلى قلب الدولة حين يُترك لها المجال.
الرد الجزائري لا يمكن أن يظل محصورًا في رد الفعل. المطلوب اليوم هو فعل وقائي شامل، يتقاطع فيه الأمني مع الإنساني، والسياسي مع الاقتصادي، في رؤية وطنية تُدرك أن ما يُراد للساحل أن يكون، سيتقرر على حدود تمنراست وليس في عواصم بعيدة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
13 سنة من المعاناة ومطالب بتدخل عاجل لوزير السكن.. من يتحمّل مسؤولية تعثّر مشروع “عدل 2” بالرحمانية؟
عاد ملف مشروع 10507 سكن بصيغة “عدل 2” بالرحمانية إلى الواجهة، بعد مراسلة رسمية وجّهتها الن…







