‫الرئيسية‬ الأولى بين طرد الدبلوماسيين والملفات السرية.. ما الذي تخفيه الأزمة؟
الأولى - الوطني - مقالات - 15 أبريل، 2025

بين طرد الدبلوماسيين والملفات السرية.. ما الذي تخفيه الأزمة؟

بين طرد الدبلوماسيين والملفات السرية.. ما الذي تخفيه الأزمة؟
في تصعيد دبلوماسي غير مسبوق، أعلنت الرئاسة الفرنسية يوم الثلاثاء 15 أبريل 2025، عن استدعاء سفيرها لدى الجزائر، ستيفان روماتيه، للتشاور، وذلك في أعقاب قرار الجزائر بطرد 12 موظفاً فرنسياً من وزارة الداخلية كانوا يعملون في الجزائر. هذه الخطوة جاءت رداً على الإجراءات القضائية التي اتخذتها فرنسا بحق ثلاثة من المواطنين الجزائريين، بينهم دبلوماسي جزائري، الذين يشتبه في تورطهم في اختطاف مزعوم ومعاملة سيئة لمطلوب من العدالة الجزائرية لاجئ في فرنسا.

وفي هذا السياق، أعربت الرئاسة الفرنسية عن “الدهشة” العميقة من الإجراءات التي اتخذتها السلطات الجزائرية، حيث تم طرد الموظفين الفرنسيين مساء الثلاثاء تحت الأمطار الغزيرة، وهو ما اعتبرته فرنسا “تصرفاً غير مبرر” و”مخالفاً للقواعد الأساسية للإجراءات القضائية الفرنسية”. وكما أكدت الرئاسة، فإن السلطات الفرنسية ترى أن القرار الجزائري يفتقر إلى أي أساس قانوني ويعكس تصعيداً غير مبرر في العلاقات بين البلدين.

من جانبها، وصفت الحكومة الفرنسية قرار الجزائر بأنه “خطوة غير مفهومة” وتعكس تدهوراً خطيراً في العلاقات الثنائية بين البلدين. وجاء في البيان الرسمي من قصر الإليزيه: “السلطات الجزائرية تتحمل مسؤولية هذه التوترات التي تفجرت مؤخراً بين البلدين، وتؤكد فرنسا في هذا السياق أن هذه الإجراءات هي ردة فعل على محاكمة ثلاثة مواطنين جزائريين في فرنسا، بينهم دبلوماسي كان يُشتبه في تورطه في قضية خطيرة تتعلق بمطلوب من العدالة الجزائرية لاجئ في فرنسا”.

رداً على قرار الجزائر، أعلنت فرنسا أنها ستطرد 12 دبلوماسياً جزائرياً يعملون في شبكة القنصليات والسفارة الجزائرية في فرنسا، وذلك في إطار مبدأ المعاملة بالمثل. كما أن الرئاسة الفرنسية أكدت أن هذه الإجراءات هي رد فعل مباشر ومناسب على التصرفات الجزائرية، مع الإصرار على أن هذه الخطوة جاءت للحفاظ على مصالح فرنسا في المنطقة، وخاصة في المجالات الأمنية والمهاجرين.

وفي بيان صحفي صادر عن الرئاسة الفرنسية، شددت على أن “فرنسا ستواصل الدفاع عن مصالحها وستطلب من الجزائر احترام التزاماتها، خاصة فيما يتعلق بالأمن الوطني والتعاون في مجال الهجرة”. وعلى الرغم من التوترات المتزايدة، أكدت فرنسا على أهمية إيجاد حلول سلمية وواقعية لهذه الأزمة، وشددت على ضرورة استئناف الحوار بين الجانبين بعد هذا التوتر المؤقت.

كانت العلاقات الفرنسية الجزائرية قد شهدت في الأيام الأخيرة محاولات متعثرة لتهدئة الأجواء. في 31 مارس 2025، أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، تم خلاله التأكيد على أهمية استئناف الحوار في مجموعة من الملفات الحساسة، بما في ذلك التعاون الأمني والاقتصادي والهجرة. كما كان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد زار الجزائر مباشرة بعد تلك المحادثات لتعزيز التعاون بين البلدين في مختلف المجالات.

لكن هذه المحاولات لم تدم طويلاً، حيث سرعان ما أجهضت بسبب التصعيد الحاد الذي فاجأ باريس. فقد كان من المقرر أن يزور عدد من المسؤولين الفرنسيين الجزائر في الفترة المقبلة، إلا أن هذه الزيارات تم إلغاؤها بسبب الأزمة الحالية. فقد تم إلغاء زيارة رئيس بلدية سانت دينيس، ماثيو هانونتين، الذي كان من المفترض أن يكون أول مسؤول فرنسي يزور الجزائر منذ بداية الأزمة، كما ألغى رجال أعمال ورؤساء شركات فرنسيين زياراتهم إلى الجزائر، بما في ذلك رئيس شركة CMA-CGM، رودولف سعدي.

إن هذه الأزمة لن تقتصر على تداعيات دبلوماسية فقط، بل سيكون لها تأثيرات كبيرة على الاقتصاد الفرنسي والعلاقات التجارية بين البلدين. حيث أكد العديد من الخبراء أن هذه التوترات قد تؤثر سلباً على الشركات الفرنسية التي كانت تأمل في توسيع أعمالها في الجزائر، خاصة في ظل محدودية الفرص المتاحة أمامها في السوق الجزائري بسبب التوترات السياسية المتواصلة.

ويمكن أن يتسبب الطرد المتبادل للدبلوماسيين في إغلاق بعض قنوات الاتصال المهمة بين البلدين، وهو ما قد يعيق التنسيق بينهما في العديد من الملفات المشتركة، مثل مكافحة الإرهاب أو التعاون في مجال الهجرة. وهذا بدوره قد يؤدي إلى تفاقم الصعوبات التي تواجهها فرنسا في تأمين عودة مواطنيها من الجزائر، خاصة في ما يتعلق بإجراءات الترحيل.

من جانب آخر، يبرز موضوع معارضة النظام الجزائري كإحدى أبرز القضايا التي تغذي التوتر بين البلدين. حيث تتهم السلطات الجزائرية فرنسا بأنها أصبحت ملاذاً للمجرمين الجزائريين. وبالإضافة إلى قضية بوعلام صنصال، الذي لا يزال معتقلاً في الجزائر منذ نوفمبر 2024، تتواصل المساعي الفرنسية لدعمه والضغط على الجزائر لإطلاق سراحه. في هذا السياق، أكد وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتايو، على أن “من غير المقبول أن تكون فرنسا ساحة لتصفية الحسابات السياسية بين السلطات الجزائرية والمعارضين”.

وقد تزايدت المخاوف في فرنسا بعد إدانة ناشطة جزائرية في فرنسا بالسجن بتهمة تهديد معارضين جزائريين على وسائل التواصل الاجتماعي. ويرتبط هذا الموضوع بقضية صنصال بشكل غير مباشر، حيث يطالب العديد من الفرنسيين بإطلاق سراحه. لكن مع تصاعد التوترات، أصبح من الصعب تصور تقدم حقيقي في هذه المسألة.

العديد من المراقبين السياسيين يرون أن استمرار الأزمة قد يضر بمصالح كلا البلدين، خاصة في مجالات التعاون الأمني والاقتصادي. إذ أن الجزائر تظل شريكاً استراتيجياً مهماً لفرنسا في منطقة شمال إفريقيا، في وقت تحتاج فيه فرنسا إلى استقرار الوضع الأمني في المنطقة لمكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية.

لكن على الرغم من هذه المصالح المشتركة، يبقى من غير الواضح كيف ستتمكن فرنسا والجزائر من تجاوز هذه الأزمة دون تقديم تنازلات قد تكون غير مرغوب فيها في الداخل. في هذا الصدد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتمكن الجزائر من اتخاذ خطوة نحو التهدئة أم أن التصعيد سيستمر في تآكل العلاقات بين البلدين؟

تبقى الأمور غامضة، لكن المؤكد أن الأزمة الحالية قد تُبقي العلاقات بين الجزائر وفرنسا في حالة من التوتر المستمر، مما يعكس تعقيد الصراع الدبلوماسي والضغط السياسي الذي يعيشه كل من الطرفين.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

الجيش يحبط إدخال أزيد من 3 قناطير من الكيف المعالج عبر الحدود الغربية

تمكنت مفارز مشتركة للجيش الوطني الشعبي، بالتنسيق مع مختلف مصالح الأمن، من إحباط محاولات إد…