‫الرئيسية‬ الأولى تصاعد خطير للعنصرية ضد الجزائريين في فرنسا
الأولى - أحوال الجالية - أحوال الناس - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

تصاعد خطير للعنصرية ضد الجزائريين في فرنسا

تصاعد خطير للعنصرية ضد الجزائريين في فرنسا
تشهد فرنسا في الفترة الأخيرة تصاعدًا لافتًا ومقلقًا في مظاهر العنصرية الموجّهة ضد الجزائريين، وهي ظاهرة لم تعد تقتصر على خطابات هامشية أو تعليقات معزولة على شبكات التواصل الاجتماعي، بل أصبحت حاضرة بقوة في الشارع، وعلى الجدران، وفي أماكن العمل، وحتى في النقاش السياسي والإعلامي، وفق ما تؤكده تقارير صحفية فرنسية ودولية، وشهادات ميدانية متطابقة.

أحدث هذه الوقائع سُجّل في بلدية سان-ديدييه-أو-مون-دور، بضواحي مدينة ليون، حيث تفاجأ السكان بظهور كتابات عنصرية مباشرة تستهدف الجزائريين، من بينها عبارة «هنا ليون وليس الجزائر»، مرفقة بالصليب السلتي، وهو رمز معروف في أدبيات اليمين المتطرف، وتؤكد منظمات مناهضة للعنصرية، مثل “ليكرَا” (LICRA)، أنه يُستخدم للترويج لأفكار التفوق العرقي الأبيض. كتابات أخرى من قبيل «فرنسا للفرنسيين» ظهرت في شوارع قريبة، ما أعطى الانطباع بوجود حملة منسّقة تحمل رسائل سياسية وعنصرية واضحة.

السلطات المحلية في سان-ديدييه-أو-مون-دور أقرت بأن الظاهرة لا تقتصر على موقع واحد، مشيرة إلى تسجيل كتابات مماثلة في شوارع أخرى داخل البلدية، إضافة إلى بلديات مجاورة مثل شامبان-أو-مون-دور وسان-سير-أو-مون-دور. منتخبون محليون عبّروا عن صدمتهم من مستوى الخطاب المستخدم، معتبرين أن المنطقة تعرف منذ سنوات نشاطًا لبعض المجموعات اليمينية المتطرفة، لكن ما يحدث اليوم يعكس انتقال هذا الخطاب من الدوائر المغلقة إلى الفضاء العام بشكل فجّ وغير مسبوق.

وتزامن ظهور هذه الكتابات مع مسيرة تكريمية لناشط يميني متطرف قُتل في اشتباك سابق، وهي مسيرة رافقتها، بحسب تقارير رسمية، تحيات نازية وعبارات عنصرية ومعادية للمهاجرين، ما عزّز مخاوف من استغلال هذه الأحداث لتغذية خطاب الكراهية ضد الجزائريين والمغاربيين عمومًا. ولم تقتصر الظاهرة على منطقة ليون، إذ رُصدت كتابات مشابهة في مدن فرنسية أخرى مثل بوردو وتور، في سياق واحد يعكس توترًا أيديولوجيًا متصاعدًا.

هذه الوقائع الميدانية تجد صداها في تقارير صحفية فرنسية مرجعية. فقد نشرت صحيفة لوموند خلال الأشهر الماضية عدة تحقيقات تؤكد ارتفاع حالات العنصرية والتمييز في فرنسا، خاصة داخل أماكن العمل، حيث يواجه أشخاص من أصول جزائرية ومغاربية إهانات لفظية، تمييزًا في التوظيف والترقية، وأشكالًا من الإقصاء غير المعلن. وتشير الصحيفة إلى أن هذه الممارسات غالبًا ما تُبرَّر بذرائع ثقافية أو أمنية، في حين أنها تعكس أحكامًا مسبقة متجذرة.

ولا يتوقف الأمر عند التمييز الإداري أو الخطاب اللفظي، بل يمتد إلى العنف الجسدي. فقد تداولت وسائل إعلام عربية وفرنسية حوادث اعتداء عنصري استهدفت جزائريين في مدن مختلفة، من بينها اعتداءات رافقتها شتائم مباشرة مرتبطة بالأصل الوطني، وهو ما دفع منظمات حقوقية إلى التحذير من “تطبيع” العنف العنصري، خصوصًا حين يُتعامل معه كحوادث فردية معزولة، رغم تكرارها وتشابه دوافعها.

من جهة أخرى، تشير تحليلات منشورة على منصات فكرية فرنسية مثل La Vie des Idées إلى أن النظام القضائي الفرنسي يواجه صعوبات حقيقية في توصيف الجرائم ذات الدوافع العنصرية ومعاقبتها بالشكل الكافي، ما يخلق شعورًا متزايدًا بالإفلات من العقاب. ويرى باحثون أن هذا الخلل البنيوي يشجع على تكرار الأفعال العنصرية، ويزيد من هشاشة الفئات المستهدفة، وعلى رأسها الجزائريون، الذين يحمل وجودهم في فرنسا حمولة تاريخية خاصة مرتبطة بفترة الاستعمار وحرب التحرير.

هذا البعد التاريخي يظل حاضرًا بقوة في تفسير استهداف الجزائريين تحديدًا. فدراسات اجتماعية منشورة في مواقع بحثية فرنسية تؤكد أن الجزائري يحتل موقعًا مركزيًا في المخيال العنصري الفرنسي، باعتباره رمزًا للهجرة، والإسلام، وذاكرة استعمار لم تُصفَّ بعد. هذه الذاكرة، بدل أن تُناقَش وتُعالَج، يُعاد إنتاجها اليوم في خطاب سياسي وإعلامي يربط قضايا الأمن والهوية الوطنية بالمهاجرين، ويضع الجزائري في قلب هذا الربط الإقصائي.

ويُضاف إلى ذلك عامل بنيوي آخر يتمثل في غياب الإحصاءات الرسمية على أساس الأصل العرقي أو الإثني في فرنسا، بسبب الإطار القانوني الذي يمنع ذلك. ورغم أن هذا المنع يُقدَّم رسميًا بوصفه حماية للمساواة، إلا أن باحثين يرون أنه يساهم عمليًا في إخفاء حجم التمييز، ويصعّب توثيقه بدقة. في المقابل، تُظهر استطلاعات ودراسات غير رسمية أن نسبة كبيرة من الفرنسيين من أصول جزائرية يعتبرون أنفسهم ضحايا للعنصرية بشكل متكرر في حياتهم اليومية، سواء في السكن أو العمل أو التعامل مع الإدارات.

ويرى مراقبون أن صعود اليمين المتطرف في المشهد السياسي الفرنسي، وتحول بعض أطروحاته إلى جزء من النقاش العام “المقبول”، ساهما بشكل مباشر في تطبيع خطاب الكراهية. فالشعارات التي كانت تُرفع سابقًا في مسيرات محدودة باتت اليوم تُكتب على الجدران في وضح النهار، وتُردَّد دون خوف من المحاسبة، ما يخلق مناخًا يشعر فيه الجزائريون بأنهم مستهدفون جماعيًا، لا كأفراد فقط.

تكشف الأحداث الأخيرة، من ضواحي ليون إلى مدن فرنسية أخرى، عن تصاعد حقيقي وممنهج للعنصرية ضد الجزائريين في فرنسا، تصاعد يتغذى من التاريخ الاستعماري غير المحسوم، ومن التوترات السياسية الراهنة، ومن ضعف الردع القانوني. وبينما تؤكد الدولة الفرنسية رسميًا التزامها بمكافحة العنصرية، يطرح الواقع الميداني سؤالًا ملحًّا حول الفجوة بين الخطاب والقانون من جهة، وما يعيشه الجزائريون يوميًا من إقصاء واستهداف من جهة أخرى، في مشهد يوحي بأن خطاب الكراهية لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا مقلقًا من الحياة العامة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

بوعلام رحال… قصة تزوير شهادة ميلاد لقطع رأس “المقنين الزين”

لا تُقاس الجرائم الاستعمارية بحصيلة الضحايا وحدها، بل تُقاس أيضًا بطبيعة الوسائل التي استُ…