صدام فرنسي داخلي بسبب الجزائر
وجّه وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتايو، هجومًا استفزازيًا مباشرًا ضد الجزائر، متهمًا إياها بإفشال ما وصفه بـ”دبلوماسية النوايا الحسنة”، على خلفية ملف الكاتب بوعلام صنصال، الموقوف في الجزائر منذ نحو ثمانية أشهر. هذا التصريح، الذي جاء في حوار مع صحيفة لو فيغارو، لم يكن سوى امتداد لخطاب يميني متعجرف يتعامل مع الجزائر بمنطق الوصاية، متجاهلًا الواقع الجديد للعلاقات بين الدول المستقلة ذات السيادة.
لكن المفاجأة أن التصعيد الذي اختاره ريتايو لم يمرّ بهدوء داخل فرنسا نفسها، حيث سارع وزير الخارجية جان-نويل بارو إلى الرد عليه علنًا عبر منصة X (تويتر سابقًا)، مؤكدًا بلغة واضحة أن “لا وجود لدبلوماسية نوايا حسنة ولا دبلوماسية غضب… هناك فقط الدبلوماسية”، في إشارة إلى رفض وزارة الخارجية الانجرار وراء خطاب المواجهة والهيمنة الذي يدفع به ريتايو.
تصريحات بارو لم تكن فقط محاولة لتهدئة الأجواء، بل شكّلت رفضًا صريحًا لمحاولة ريتايو فرض أجندة متشددة داخل الحكومة الفرنسية، تحت غطاء “استعادة الهيبة” عبر مهاجمة الجزائر. هذه المواجهة العلنية بين وزيرين في حكومة واحدة تكشف بوضوح عمق الانقسام داخل النخبة الحاكمة الفرنسية بشأن كيفية التعامل مع الجزائر، خاصة في ظل إرث استعماري لم يُحلّ، ونظرة لا تزال مشبعة بالاستعلاء تجاه دولة انتزعت حريتها بثمن غالٍ.
منذ توليه رئاسة حزب “الجمهوريين”، يسعى برونو ريتايو إلى تقديم نفسه كقائد يميني صلب، عبر استهداف ملفات مثل الهجرة، والإسلام، والعلاقة مع الجزائر، ظنًا منه أن تصعيد اللهجة ضد دولة ذات سيادة سيمنحه شرعية انتخابية في الشارع الفرنسي. وقد ادّعى، في حديثه للصحافة، أن الجزائر لا تتعاون في ملف المهاجرين، مستشهدًا بنسبة الجزائريين في مراكز الترحيل، متناسيًا أن هذه الأرقام لا تبرّر التهجم على دولة كاملة، ولا تُلغي حاجة فرنسا لعلاقات متوازنة مع الشريك الجنوبي الذي لطالما لعب دورًا محوريًا في استقرار المتوسط.
في المقابل، تلتزم الجزائر بموقف ثابت وهادئ، رافضة الانجرار نحو التصعيد، لكن دون التفريط في حقها السيادي. ورغم أن باريس كانت تراهن على أن تُبادر الجزائر بالعفو عن صنصال في الذكرى 62 للاستقلال، فإن الجزائر، كما يبدو، قررت أن لا ترضخ لأي ضغوط غير معلنة، ولا أن تتصرف تحت التهديد أو الابتزاز السياسي. فالكرامة الوطنية في الجزائر ليست ملفًا يُفتح بإشارة من باريس، بل مسألة مبدئية تُصان بعيدًا عن الضجيج الإعلامي.
الخلاف في فرنسا لم يتوقف عند حدود الجزائر. بل امتد إلى ملفات داخلية كبرى، منها ملف الطاقة، حيث خرج ريتايو عن صمته لينتقد سياسة بلاده في دعم الطاقة المتجددة ويدعو للعودة إلى الطاقة النووية، ما دفع الرئيس ماكرون إلى التوبيخ العلني قائلًا: “إذا بدأ كل وزير يتدخل في كل شيء، فلن يكون لدينا حكومة، بل فوضى”، في إشارة مباشرة إلى تجاوزات ريتايو.
وهنا تتضح الصورة أكثر، فرنسا لا تعاني فقط من أزمة في سياستها الخارجية، بل من تناقض داخل مؤسساتها نفسها، حيث يسعى ريتايو إلى فرض خطاب فوقي تجاه الجزائر، فيما تحاول الخارجية الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن، إدراكًا منها بأن الجزائر اليوم لم تعد تلك الدولة التي يمكن توجيه التعليمات إليها من باريس.
الجزائر، بثباتها وصمتها المدروس، توجه رسالة واضحة، انتهى زمن التبعية، ولن تُبنى العلاقات مع فرنسا على منطق الهيمنة أو المزايدة السياسية الداخلية. وإذا كانت باريس ترى في الجزائر مجرد ورقة انتخابية، فإن الجزائر ترى في نفسها دولة قوية، ذات سيادة، لها من العلاقات الدولية والثقل الإقليمي ما يجعلها قادرة على رفض التدخل، والتصرف بندية كاملة مع من يحترمها.
وفي وقت لا تزال فيه باريس تبحث عمّن يلام على فشل ملف صنصال، وتعيد اجترار حديث متهالك عن اتفاقية 1968، تُدرك الجزائر أنها لم تعد مجبرة على تبرير قراراتها لأي طرف، وأن السيادة ليست موضع تفاوض أو مساومة، بل مبدأ أساسي في سياستها الخارجية.
إن ما تحتاجه فرنسا ليس خطاب تهديد من ريتايو، بل لحظة شجاعة تعترف فيها بأن علاقتها بالجزائر يجب أن تنتقل من وهم التفوق إلى حقيقة الشراكة. وما لم يحدث ذلك، ستبقى باريس تتخبط في انقساماتها، بينما تمضي الجزائر في طريقها بثقة، واحترام متزايد على الساحة الدولية.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
فيديو مغربي يُستعمل لتشويه صورة الجزائريين!
انتشر خلال الساعات الأخيرة على نطاق واسع مقطع فيديو يُظهر مشاهد أبواق سيارات وألعابًا ناري…







