عبد الرزاق مقري يعيد تدوير مفردات المخابرات الفرنسية!
أثار تعيين نائب عن حركة مجتمع السلم (حمس) على رأس لجنة التربية في المجلس الشعبي الوطني جدلًا سياسيًا واسعًا، كان متوقعًا بالنظر إلى حساسية قطاع التربية ودوره في تشكيل وعي الأجيال. الانتقادات التي وجهها حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (الأرسيدي) لهذا التعيين لم تكن منعزلة عن سياق عام، يشهد تراجعًا واضحًا في خطاب التحديث، مقابل عودة تدريجية لأطروحات تيارات الإسلام السياسي إلى مواقع القرار، تحت غطاء الشرعية البرلمانية.
غير أن الحدث تطور من نقاش حول كفاءة أو توجهات النائب المعيّن، إلى صراع لغوي وأيديولوجي محتدم، بعد أن خرج عبد الرزاق مقري، الرئيس السابق لحمس، برد هجومي عنيف ضد الأرسيدي، لم يناقش فيه الوقائع أو المعطيات، بل أطلق صفة “الاستئصاليين” على خصومه، مستعملًا مصطلحًا حمّالًا للأوجه، يفتح الباب أمام تساؤلات أكثر خطورة من موضوع التعيين نفسه.
مصطلح “الاستئصاليين” ليس لفظًا محليًا ولا نتاجًا للجدل السياسي الجزائري الداخلي، بل هو مفهوم مستورد من الجهاز الدعائي الفرنسي، تم توظيفه في بداية التسعينيات لتأطير الصراع الدامي في الجزائر ضمن ثنائية مزيّفة، بين من “يريد الحوار” (الجماعات الإسلامية المسلحة) ومن “يريد الاستئصال” (الدولة والجيش). لقد عملت وسائل إعلام فرنسية، مثل وكالة الأنباء الفرنسية (AFP)، على الترويج لهذا التصنيف، عبر نشر مصطلح “les éradicateurs” في تغطياتها المتكررة، محاولة خلق نوع من التعاطف الدولي مع الجماعات التي كانت تُرتكب بأيديها المجازر والاغتيالات، وتعتبر الديمقراطية كفرًا والانتخابات بدعة غربية.
وقد كان هذا المصطلح جزءًا من عملية تضليل ممنهجة، هدفت إلى تليين صورة التنظيمات الإرهابية، وتصويرها كضحايا، في حين أنها كانت في الواقع تشن حربًا شرسة على الدولة والمجتمع، وتستهدف المثقفين، الصحافيين، النساء، الأطفال، وكل من لا يخضع لفتاواها. وحين يستعمل عبد الرزاق مقري هذا المصطلح اليوم، فإنه لا يُعيد فقط تدوير خطاب مضاد للجيش الوطني الشعبي، بل يستبطن أيضًا رؤية تبريرية للعشرية السوداء، ويُحاول إعادة كتابة التاريخ بلغة ضبابية تُسوّي بين القاتل والضحية.
كان من المنتظر أن يرد مقري، بوصفه رجل سياسة وأكاديميًا، على الأرسيدي بحجج عقلانية، إما بالدفاع عن كفاءة النائب المعيّن، أو بشرح رؤية حركته لتطوير قطاع التربية. لكن المفاجأة أنه لم يتحدث إطلاقًا عن المدرسة، ولا عن أزمة المناهج، ولا عن معدلات التسرب المدرسي، ولا عن مستوى العلوم أو اللغات. بل اكتفى بتصنيف خصومه، مستعملًا لغة أيديولوجية تعود إلى أدبيات الجماعات الدعوية، وكأن الرد لم يكن سياسيًا بل فتوى ضد “العلمانيين”. هذا التجاهل المتعمد للجوهر التربوي يُشير إلى أن ما يهم حركة مجتمع السلم ليس بالضرورة تحسين التعليم، بقدر ما هو السيطرة على مخرجاته، وتوجيهه وفق مرجعية دينية/أيديولوجية تُمجّد الماضي وتُهمّش العقل النقدي.
الأكثر إثارة للدهشة أن مقري، الذي ينتفض ضد خصومه العلمانيين ويتهمهم بـ”الاستئصال”، لم يُصدر يومًا بيانًا أو موقفًا واحدًا ينتقد فيه التحولات الجذرية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، والتي تُعد المرجعية التاريخية للفكر السلفي الوهابي، وهو نفس الفكر الذي يشكل الخلفية العقائدية لحركات الإسلام السياسي في الجزائر.
ولي العهد محمد بن سلمان، أعلن صراحة نهاية المرحلة الوهابية، وقاد ما يشبه عملية “اجتثاث” للفكر المتشدد، ألغى شرطة الآداب، خفّف القيود الدينية، وفتح الباب أمام تفسيرات جديدة للدين تُمجّد الحياة وتُقصي التكفير والتشدد. ومع ذلك، لم يصفه مقري بـ”الاستئصالي”، ولم يعتبر ما يحدث في السعودية تهديدًا للإسلام. فهل الخطر فقط هو من يعارض “مشروع حمس” داخل الجزائر؟!
في سياق سيطرة الفكر الديني المحافظ على بعض مفاصل التشريع، تبقى المادة 144 مكرر من قانون العقوبات الجزائري مثالًا صارخًا على الكيفية التي يُمكن بها تحويل الرأي الفقهي المختلف إلى “جريمة”. هذه المادة التي تعاقب “المساس بثوابت الدين” تُستخدم أحيانًا لتكميم الأفواه، واستهداف أتباع المذاهب الأخرى، مثل الإباضية، أو حتى أئمة المذهب الحنفي الذين يُقدّمون تأويلات مختلفة عن السائد. ولم نسمع من عبد الرزاق مقري موقفًا ضد هذه المادة، ولا ضد التوظيف السياسي للدين، بل العكس، ما يُفهم منه أن التيار الذي ينتمي إليه لا يسعى فقط لحضور سياسي، بل لفرض مرجعيته كمحتكر رسمي للدين والشرعية الدينية في الجزائر.
المدرسة الجزائرية تعاني من مشكلات عميقة، ضعف التحصيل، اكتظاظ الفصول، فوضى البرامج، غياب التفكير العلمي. ومع ذلك، تُصرّ بعض التيارات على إدخال مفاهيم دينية ماضوية في قلب المناهج، من قبيل “عذاب القبر”، “علامات الساعة”، و”الجن”، وهي موضوعات تُغرس في عقول التلاميذ دون أي تمحيص عقلي أو ربط بالواقع العلمي. لم نسمع من مقري أي نقد لهذه الانزلاقات الخطيرة، وكأن المدرسة وُجدت لتكرار خطب الجمعة، لا لبناء مجتمع معرفي قادر على التفاعل مع العالم. ويبدو أن التيار الذي ينتمي إليه، يسعى لخلق جيل يُكرّر النصوص دون فهم، ويُقدّس الماضي دون نقد، ويُدين الحداثة باعتبارها “عدوانًا على الثوابت”.
الحقيقة أن ما يطرحه عبد الرزاق مقري ليس مجرد رأي سياسي مختلف، بل مشروع فكري متكامل، يقوم على إحياء خطاب الجماعات الإسلامية القديمة، بوسائل ديمقراطية ظاهرية، ويُوظف الشرعية الأكاديمية لتسويق أفكار إقصائية ترفض التعدد وتُجرّم النقد. وهو مشروع خطير لأنه يُخفي وجهه الحقيقي خلف مفردات ناعمة، ويتسلل إلى مؤسسات الدولة تدريجيًا، من خلال التربية والدين والإعلام.
إن استعمال مصطلحات مثل “الاستئصاليين” ليس تعبيرًا عن رأي، بل استعادة متعمّدة لقاموس استُخدم يومًا ما لتشويه الدولة والجيش، وتمرير مشروع تكفيري دمّر البلاد في التسعينيات، ودُفن سياسيًا بفضل المصالحة الوطنية، لكنه يحاول اليوم العودة من نوافذ المؤسسات، وتحت عباءة القانون.
التهديد الحقيقي ليس من حزب علماني أو تيار حداثي، بل من هذا النوع من الخطاب الذي يُلبس الهيمنة ثوب الدين، ويُقنّن الإقصاء، ويُشرعن الاستحواذ على الدولة من الداخل. فلنحذر من خطاب عبد الرزاق مقري، لأنه لا يُعبّر عن اختلاف ديمقراطي، بل عن مشروع إخواني قديم أعيدت تغليفه بعبارات وطنية زائفة، يسعى إلى تحويل الدولة إلى كيان دعوي، والمجتمع إلى رعية خاضعة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
“كان 2025”.. فضيحة دولية مكتملة الأركان
ما حدث في المواجهة التي جمعت السنغال بالمنتخب المستضيف في كأس إفريقيا لم يكن مجرد جدل تحكي…







