‫الرئيسية‬ الأولى لماذا ترفض الجزائر استقبال المرحّلين من فرنسا؟
الأولى - الوطني - مقالات - 23 يوليو، 2025

لماذا ترفض الجزائر استقبال المرحّلين من فرنسا؟

لماذا ترفض الجزائر استقبال المرحّلين من فرنسا؟
ترفض الجزائر، بصمتٍ مدروس وحزمٍ سيادي، أن تتحول إلى مكبّ يُلقي فيه الآخرون من لا يرغبون بهم، أو أن تكون منصّة خاضعة لتصفية ملفات أمنية فرنسية عبر إجراءات طرد تعسفي لا تستند إلى القانون الدولي، ولا تُحترم فيها السيادة المتبادلة. تُواجه خلال الأسابيع الماضية أربع محاولات متتالية من السلطات الفرنسية، بدفع من تيارات سياسية يمينية متشددة، لترحيل مواطنين جزائريين إلى بلادهم، رغم امتلاكهم وثائق سفر صالحة، لكنها ترفض استقبالهم، وتُعيدهم من المطار في موقف لا يحمل أي التباس، لا قرارات أحادية خارج إطار التشاور، ولا استلام لمطرودين نُفذت ضدهم إجراءات قسرية دون احترام حقهم في الطعن أو المثول أمام القضاء.

تُصعّد مصالح التيار اليميني في فرنسا، بقيادة شخصيات مثل برونو ريتايو، من لهجتها العدائية تجاه الجزائر، وتضغط في اتجاه سياسة طرد قسرية أكثر تشددًا، مستغلة الملف الأمني لتحقيق مكاسب سياسية داخلية. يُصوَّر رفض الجزائر استقبال المطرودين كعقبة في وجه “السيادة الفرنسية”، بينما الحقيقة أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لاستخدام هذا الملف كورقة انتخابية من قبل دوائر داخل فرنسا لا تُمثّل الدولة بمفهومها الكامل، بل مصالحها الحزبية الضيقة. ريتايو صرّح مؤخرًا بضرورة “وقف دبلوماسية المجاملات”، داعيًا لاتخاذ إجراءات ردعية تجاه الجزائر، من بينها تعليق الامتيازات الدبلوماسية وسحب التأشيرات من مسؤولين جزائريين، وهو ما يُظهر أن الملف لم يعد قانونيًا أو إنسانيًا، بل سياسيًا محضًا.

وتتجلى المفارقة في أن هذه الدوائر السياسية تطالب الجزائر بالتعاون المطلق في ملف الهجرة، بينما ترفض في المقابل تسليم المطلوبين من قبل القضاء الجزائري، ممن أدينوا أو يلاحقون في قضايا أمنية ومالية خطيرة. من بين هؤلاء، الوزير الأسبق عبد السلام بوشوارب، المدان في قضايا فساد ونهب المال العام، والذي رفضت المحاكم الفرنسية تسليمه بحجة حالته الصحية. وكذلك الناشط الانفصالي أكسيل بلعباسي، الذي تتهمه الجزائر بالتحريض على المساس بالوحدة الوطنية، وأمير بوخرص المعروف بـ”أمير ديزاد”، المتسرب المدرسي والمطلوب بتهم الابتزاز الإلكتروني، وإدارة حملات تحريض وتشويه ضد الدولة الجزائرية انطلاقًا من الأراضي الفرنسية.

ورغم أن الجزائر قدّمت في ملفات هؤلاء أدلة ومذكرات توقيف عبر القنوات الرسمية، إلا أن القضاء الفرنسي، تحت ضغط اعتبارات سياسية وحقوقية، رفض التعامل مع الطلبات الجزائرية بذريعة أن المحاكمات في الجزائر “قد تكون غير عادلة” أو “مشوبة بالطابع السياسي”. وفي المقابل، لم تتردد الدوائر ذاتها في تنفيذ عمليات طرد عاجلة بحق جزائريين عاديين، بعضهم لم تُتح لهم حتى فرصة المثول أمام قاضٍ أو تقديم طلب طعن، في انتهاك واضح لمقتضيات القانون الدولي، وعلى رأسها المادة 12 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن لكل مواطن حق العودة إلى بلده، وتمنع النفي التعسفي.

إن الجزائر، برفضها استقبال المطرودين، لا تُمارس مناورة سياسية، بل تُدافع عن مبدأ سيادي، وترفض أن تكون طرفًا سلبيًا في سياسة فرنسية انتقائية. فهي ترى أن من غير المقبول أن يُطلب منها استقبال المطرودين باسم القانون، بينما يُحمى الفارّون من العدالة باسم “الحرية”. وتعتبر أن ما يجري هو صورة مكشوفة لسياسة الكيل بمكيالين التي تتغذى على مزاج داخلي فرنسي يميني يتعامل مع الجزائر بندّية مغشوشة.

الموقف الجزائري لم يكن مفاجئًا، بل تراكم نتيجة تجارب عديدة سابقة، عرفت فيها الجزائر كيف تتحوّل الوعود الفرنسية إلى انتقائية مفرغة من التزاماتها، وكيف تستغل باريس – أو بالأحرى، من يُمسكون بزمام خطابها السياسي اليميني – الملفات الثنائية كأوراق ضغط ظرفية. وما دام التعامل مع الجزائر يُدار من هذا المنظور، فإن الرد سيكون بمستوى التحدي، لا تفاهم خارج القانون، ولا تعاون خارج الاحترام، ولا عودة للمهادنة تحت ضغط الداخل الفرنسي.

وفي الوقت الذي يُكثّف فيه ريتايو وأنصاره من نبرتهم التصعيدية، تُقابل الجزائر ذلك بسياسة هادئة لكنها شديدة الوضوح، العلاقة لن تُبنى على الطرد الانتقائي، ولن تستمر إذا استُخدمت الأراضي الفرنسية كمنصّة للإفلات من العدالة الجزائرية، أو لبثّ خطاب الانفصال والتحريض تحت غطاء “المنفى السياسي”. فكما لا تُرغم الجزائر فرنسا على استقبال متهمين جزائريين، فإنها ترفض أن تُرغَم على استلام أشخاص طُردوا تعسفًا دون محاكمة عادلة، ودون احترام لأبسط آليات التعاون القضائي.

لم تعد الجزائر تخضع لابتزاز العواصم، ولا تُراهن على تغيير موقف الآخرين بقدر ما تفرض احترامها بالفعل. ورفضها استقبال المطرودين ليس رفضًا للعلاقات، بل تحصينٌ لها من العبث والمساومة. وإذا كان لفرنسا أن تستعيد توازنها في علاقتها بالجزائر، فعليها أولًا أن تُنهي هيمنة منطق ريتايو، وأن تُعيد الاعتبار للقانون، لا للخطابات الانتخابية العابرة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

فيديو مغربي يُستعمل لتشويه صورة الجزائريين!

انتشر خلال الساعات الأخيرة على نطاق واسع مقطع فيديو يُظهر مشاهد أبواق سيارات وألعابًا ناري…