‫الرئيسية‬ الأولى مستودعات بدل مصانع.. الوجه الآخر للعقار الصناعي
الأولى - اقتصاد - مال واعمال - ‫‫‫‏‫6 أيام مضت‬

مستودعات بدل مصانع.. الوجه الآخر للعقار الصناعي

مستودعات بدل مصانع.. الوجه الآخر للعقار الصناعي
لم يعد ملف العقار الصناعي في الجزائر مجرد إشكال تقني مرتبط بندرة الأوعية أو بطء الإجراءات الإدارية، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مرآة تعكس خللًا أعمق في فلسفة تسيير الامتيازات الاستثمارية، وفي الانتقال غير المكتمل من منظومة قانونية قديمة اتسمت بالمرونة الواسعة، إلى إطار تشريعي جديد يقوم على الصرامة وربط الامتياز بالنتيجة الاقتصادية. وبين مناطق صناعية كان يُفترض أن تكون رافعة للإنتاج والتشغيل، وواقع يكشف انتشار مستودعات وفضاءات كراء داخلها، تتشكل ملامح قصة أطول وأعقد من مجرد “سوء استغلال”.

لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى ما يمكن تسميته، تحليليًا، بـ الفترة الرمادية الممتدة بين 2010 و2019، وهي مرحلة شهدت توسعًا كبيرًا في منح العقار الصناعي بصيغة الامتياز، في سياق سياسي واقتصادي كان يهدف إلى تسريع الاستثمار عبر تسهيلات إدارية معتبرة، لكنه افتقر في كثير من الحالات إلى الضبط الصارم والمتابعة الميدانية الفعالة. ففي تلك السنوات، استند منح العقار أساسًا إلى المرسوم التنفيذي رقم 09-152 المؤرخ في 2 ماي 2009، الذي يحدد شروط وكيفيات منح الامتياز على الأراضي التابعة للأملاك الخاصة للدولة الموجهة لإنجاز مشاريع استثمارية، إضافة إلى المرسوم التنفيذي رقم 10-20 المؤرخ في 12 جانفي 2010 المنظم لتشكيلة وسير لجنة المساعدة على تحديد الموقع وترقية الاستثمارات وضبط العقار (CALPIREF).

من حيث المبدأ، كانت هذه المنظومة تهدف إلى عقلنة منح العقار وربطه بمشاريع استثمارية واضحة. غير أن التطبيق العملي كشف عن تفاوت كبير بين الولايات، سواء في صياغة دفاتر الشروط أو في مستوى التدقيق والمتابعة بعد منح الامتياز. ففي عدد من الحالات، لا سيما خلال السنوات الأولى من تلك المرحلة، لم تتضمن دفاتر الشروط نصوصًا صريحة تمنع إيجار العقار الصناعي للغير، واكتفت بعبارات عامة من قبيل “استغلال العقار في إطار المشروع الاستثماري”، دون تحديد دقيق لمفهوم الاستغلال وحدوده القانونية.

هذا الغموض في الصياغة لم يكن قاعدة عامة في كل العقود، لكنه شكّل في بعض الحالات ثغرة قانونية قابلة للتأويل. وفي هذا السياق، سُجّلت ممارسات لجأ فيها بعض الموثقين إلى تحرير عقود إيجار لعقارات صناعية ممنوحة بالامتياز، استنادًا إلى تأويل مفاده أن ما لم يُمنع صراحة في العقد الأصلي يبقى، من حيث المبدأ، جائزًا. هذا التأويل لم يكن محل إجماع قانوني، وكان مثار نقاش وجدال حتى في تلك الفترة، لكنه وجد له سندًا عمليًا في غياب نصوص موحدة وصريحة في بعض دفاتر الشروط.

غير أن هذه الممارسات، وإن استندت إلى غموض تعاقدي في حالات محددة، أفرزت واقعًا اقتصاديًا مشوهًا. فقد تحولت بعض المساحات الصناعية إلى فضاءات تخزين أو كراء، وأصبح العقار، الذي مُنح أصلًا لتقليص كلفة الاستثمار الصناعي، مصدر دخل ريعي ثابت لبعض المستفيدين. في المقابل، وجد المستثمر الصناعي الحقيقي نفسه مضطرًا إلى استئجار مساحة داخل منطقة صناعية بدل الحصول على امتياز مباشر، ما رفع تكاليف الإنتاج وأفرغ السياسة العقارية من مضمونها التنموي.

تزامن هذا المسار مع توسع منح الامتياز بالتراضي، خاصة بعد إدخال تعديلات عبر قوانين المالية، أبرزها قانون المالية التكميلي لسنة 2011، الذي كرس هذا النمط كأداة لتشجيع الاستثمار. غير أن ضعف الرقابة على آجال الإنجاز، وتراخي آليات المعاينة الميدانية، سمحا بتراكم أوعية غير مستغلة أو منحرفة عن وجهتها الأصلية، دون تفعيل منهجي لإجراءات الإعذار أو السحب أو الفسخ في وقتها.

بعد سنة 2019، ومع التحولات السياسية العميقة التي عرفتها البلاد، أعيد فتح ملف العقار الصناعي من زاوية مختلفة. فبرز خطاب رسمي يربط بين محاربة الريع وإعادة الاعتبار لمبدأ الإنتاج، وتُرجم هذا التوجه تدريجيًا في نصوص قانونية جديدة، على رأسها قانون الاستثمار رقم 22-18، ثم قانون العقار الاقتصادي رقم 23-17، إضافة إلى النصوص التطبيقية الصادرة لاحقًا. وقد أعادت هذه المنظومة تعريف العقار الصناعي باعتباره أداة سياسة عمومية لتحقيق أهداف اقتصادية واضحة، لا مجرد وعاء قانوني قابل للاستغلال كيفما اتفق.

فلسفة النصوص الجديدة تقوم على مبدأ صارم، الامتياز مقابل الإنجاز. فالعقار يُمنح لمدة 33 سنة قابلة للتجديد، ويبقى مرتبطًا بمشروع استثماري محدد، ولا يُحوَّل إلى تنازل إلا بعد تحقق الإنجاز الفعلي واحترام الالتزامات التعاقدية. كما أصبحت دفاتر الشروط والعقود النموذجية تنص صراحة على منع الإيجار، ومنع تغيير وجهة الاستغلال، ومنع أي تصرف في العقار خارج الإطار المرخص له.

غير أن هذا التحول التشريعي اصطدم بإرث عقدي ثقيل. فالعقود الممنوحة خلال الفترة الرمادية 2010–2019 لم تُعدَّل تلقائيًا، ولم تُلغَ جماعيًا، ما خلق وضعية انتقالية معقدة، نصوص جديدة صارمة في مواجهة عقود قديمة أُبرمت في سياق قانوني أكثر مرونة. هذا التداخل يفسر التباين الحالي في ممارسات الموثقين، كما يفسر استمرار بعض أنشطة الكراء داخل مناطق صناعية رغم المنع الصريح في النصوص الحديثة.

عمليات تطهير العقار الصناعي التي باشرتها الدولة خلال 2023 و2024 كشفت حجم هذا الإرث. فقد أُعلن عن استرجاع آلاف القطع الصناعية غير المستغلة، بمساحات معتبرة، في عدة ولايات. ورغم أن هذه الأرقام لا تُقدَّم كإحصاء وطني نهائي شامل، إلا أنها تشكل مؤشرات دالة على أن جزءًا معتبرًا من العقار الذي وُزع خلال الفترة الرمادية لم يتحول إلى استثمار منتج، بل ظل مجمدًا أو منحرفًا عن وجهته.

الخطورة في هذا المسار لا تكمن فقط في ضياع الأوعية العقارية، بل في الكلفة الاقتصادية الصامتة التي تحملها الاقتصاد الوطني. فكل قطعة لم تتحول إلى مصنع تعني فرص عمل لم تُخلق، وسلاسل إنتاج لم تتشكل، واعتمادًا متواصلًا على النشاط غير المنتج. ومن هنا، يصبح الحديث المتداول عن “العصابة” توصيفًا سياسيًا لمرحلة طغى فيها منطق الريع على منطق الاستثمار، أكثر منه اتهامًا جزائيًا لأشخاص بعينهم.

اليوم، ومع تأكيد النصوص الجديدة أن العقار الصناعي ليس حقًا مكتسبًا بل امتيازًا مشروطًا، يبرز التحدي الحقيقي في كيفية تصفية آثار الفترة الرمادية 2010–2019 دون المساس بمبدأ الأمن القانوني، عبر معالجة الوضعيات حالة بحالة، بالمعاينة والإعذار والفسخ عند الاقتضاء، لا عبر حلول عامة قد تخلق اختلالات جديدة. فنجاح إصلاح العقار الصناعي لن يُقاس بعدد القوانين الصادرة، بل بقدرة الدولة على إعادة العقار إلى وظيفته الأصلية، مصنع يُنتج، لا مستودع يُؤجَّر.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

تفكيك شبكات دولية وحجز أزيد من 4,3 ملايين قرص مهلوس و8 قناطير من المخدرات

واصلت وحدات الجيش الوطني الشعبي، بمختلف مكوناته، توجيه ضربات موجعة لشبكات الجريمة المنظمة …