مفاوضات مدريد حول الصحراء الغربية: تضليل مروكي وتحريف للبيان الأمريكي!
يثير ما تم تداوله إعلاميًا بشأن المفاوضات المباشرة التي جرت في مدريد بين المروك وجبهة البوليساريو، بحضور أمريكي ومراقبين من الجزائر وموريتانيا، جملة من التساؤلات حول طريقة التعاطي الإعلامي مع هذا الحدث، خاصة من طرف بعض المنابر الدولية. فقد لوحظ أن مراسل قناة فرانس 24 في إسبانيا لم يستند في تغطيته إلى معطيات موثوقة أو مصادر دبلوماسية واضحة، واكتفى بترديد ما نشرته صحف إسبانية محسوبة على المخزن المروكي، تحدثت عن احتمال التوصل إلى “اتفاق سلام” بين المروك والجزائر لفتح الحدود وإعادة ضخ الغاز عبر الأنبوب العابر للأراضي المروكية.
هذا الطرح، وفق متابعين، يعكس تبنيًا مباشرًا للرواية المخزنية، إذ لا علاقة للمفاوضات الجارية في مدريد بالجزائر، لا من حيث الشكل ولا من حيث الموضوع. فملف غلق الحدود الجزائرية–المروكية لا يرتبط بقضية الصحراء الغربية، كما أن وقف ضخ الغاز عبر الأنبوب المغاربي–الأوروبي جاء نتيجة انتهاء العقد التجاري، ولا يمكن للجزائر، من الناحية القانونية أو الاقتصادية، الاستمرار في ضخ الغاز دون مقابل، سواء إلى المروك أو إلى أي طرف آخر. ويشير مراقبون إلى أن تجاهل هذه الحقائق يعكس ضعفًا في فهم أبسط قواعد القانون الدولي والعقود التجارية، ويحوّل بعض المنابر الإعلامية، عن قصد أو غير قصد، إلى أدوات ترويج للرواية المروكية.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن ما جرى في مدريد يُعد أول مفاوضات مباشرة من هذا النوع بين المروك وممثلي جبهة البوليساريو، حيث حصل الوفد الصحراوي على ضمانات أمريكية تتعلق بسماع موقفه واحترامه داخل المسار التفاوضي. وخلال هذه الجولة، قدّم الجانب المروكي وثيقة يُقال إنها تقع في نحو 40 صفحة، تتضمن مقترحًا لما يسميه “الحكم الذاتي”، مع حديث عن تنازلات إدارية تمنح للصحراويين حق تسيير بعض الشؤون المحلية، مقابل الإبقاء على الوجود العسكري المروكي في الإقليم.
غير أن هذا الطرح، وفق قراءات أولية، يطرح إشكالات جوهرية، أبرزها أن أي حكم ذاتي لا يمكن أن يكون مقبولًا دون تمكين الصحراويين من سيادتهم الكاملة على أراضيهم ومؤسساتهم، بما في ذلك مسألة الأمن والدفاع. كما أن اعتماد صيغة حكم ذاتي داخل دولة مركزية، دون تعديل دستوري يحوّل المملكة المروكية إلى نظام فيدرالي كما هو متعارف عليه دوليًا، يجعل من المقترح مجرد إدارة محلية موسّعة، لا ترقى إلى مستوى حل سياسي متوازن.
إضافة إلى ذلك، يرى متابعون أن من الصعب على الصحراويين القبول باستمرار سلطة الملك محمد السادس على إقليم الصحراء بالصلاحيات المقترحة، بما في ذلك البعد الديني المرتبط بمؤسسة “أمير المؤمنين”، وهو ما يعتبره الصحراويون آلية هيمنة سياسية–دينية تُفرغ أي مقترح للحكم الذاتي من مضمونه الفعلي، وتحوّله إلى أداة ضبط وسيطرة بدل كونه إطارًا لتقرير المصير.
ومن المرتقب أن تُعرض هذه الوثيقة في جولة لاحقة من المفاوضات ستُعقد في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الشهر القادم. ويرى مراقبون أن الفترة الفاصلة ستشهد، على الأرجح، تكثيفًا للحملة الإعلامية المروكية، عبر توجيه الاهتمام بعيدًا عن جوهر المفاوضات والاعتراف العملي بجبهة البوليساريو كطرف تفاوضي، والتركيز بدلًا من ذلك على قضايا هامشية وشخصية، في أسلوب اعتبره متابعون امتدادًا لما يسمونه “سياسة الإلهاء”.
وفي هذا السياق، أشار مراقبون إلى أن المخزن المروكي سبق أن حرّف حتى بيان وزارة الخارجية الأمريكية، عبر تجاهل ذكر جبهة البوليساريو في سياق المفاوضات، رغم أنها الطرف الصحراوي المعترف به أمميًا. غير أن قيادة البوليساريو، وفق مصادر قريبة منها، تدرك تعقيدات هذا المسار، وتستحضر تجارب تفاوضية سابقة في نزاعات مشابهة، بما فيها التجربة الفلسطينية وما رافقها من أخطاء تفاوضية تسعى اليوم إلى تفاديها.
ومهما بلغت تعقيدات المفاوضات، يؤكد متابعون أن جوهر الحل يبقى مرتبطًا بتمكين الشعب الصحراوي من التعبير الحر عن إرادته عبر استفتاء تقرير المصير، باعتباره الآلية القانونية الوحيدة الكفيلة بإضفاء الشرعية على أي حل نهائي، سواء بالقبول أو الرفض، بعيدًا عن المناورات السياسية أو الحملات الإعلامية الموجهة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
من غار جبيلات إلى المسرح والفن.. كيف تُدار حملة الكراهية ضد الجزائر
وجد الإعلام المغربي، التقليدي منه والجديد على وسائل التواصل الاجتماعي، في منجم غار جبيلات …





