‫الرئيسية‬ الأولى هل استوردت الجزائر حليبًا مسرطنًا من فرنسا؟
الأولى - الوطني - 30/07/2025

هل استوردت الجزائر حليبًا مسرطنًا من فرنسا؟

هل استوردت الجزائر حليبًا مسرطنًا من فرنسا؟
أثارت دراسة فرنسية نُشرت في يوليو 2025 قلقاً واسعاً بعد أن كشفت عن وجود جزيئات من ثاني أكسيد التيتانيوم، وهي مادة مصنفة كمسرطنة محتملة للإنسان، في عدة أنواع من الحليب، بما في ذلك الحليب الحيواني، حليب الأطفال الصناعي، وحتى الحليب البشري لدى النساء المرضعات. هذه المادة، المعروفة أيضاً بالرمز الغذائي E171، سبق أن تم حظر استخدامها في فرنسا منذ سنة 2020 وفي الاتحاد الأوروبي منذ 2022 بسبب الشكوك المتزايدة حول مخاطرها الصحية، لا سيما على الجهاز الهضمي والجهاز المناعي، وإمكانية تسببها في السرطان عند التعرض المتكرر لها.

ما يجعل هذه القضية أكثر إرباكاً هو أن التلوث تم تسجيله حتى في منتجات تحمل علامة “عضوية” أو تلك التي يُفترض أنها تخضع لمعايير تصنيع مشددة، مما يدل على أن التلوث لا يأتي فقط من الإضافة المباشرة للمادة في الأغذية، بل قد يكون ناتجاً عن مصادر غير غذائية مثل تغليف المنتجات، أو مياه الشرب، أو الهواء، أو حتى الأدوية والمكملات الغذائية التي تحتوي على ثاني أكسيد التيتانيوم كمادة مبيّضة أو مغلّفة. وقد أثبتت الدراسة أن الجزيئات قادرة على اختراق الحواجز البيولوجية، مثل الغدة الثديية، لتصل إلى حليب الأم، مما يعني تعرض الرضع لهذه المادة في مرحلة شديدة الحساسية من نموهم. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن هذا التلوث ليس ظاهرة جديدة ظهرت فجأة، بل يُحتمل أنه موجود منذ سنوات طويلة، حتى قبل الحظر الرسمي للمادة في فرنسا سنة 2020، غير أن غيابه عن الدراسات العلمية الدقيقة أو عدم تسليط الضوء عليه حينها، جعل من الصعب تتبعه أو كشفه في وقته. الدراسة الحديثة لم تكشف بداية المشكلة، بل كانت بمثابة عدسة مجهرية سلطت الضوء على واقع قائم منذ مدة دون وعي جماهيري أو رقابة علمية كافية.

في هذا السياق، تبرز تساؤلات مشروعة في بلدان مثل الجزائر، التي تعتمد بشكل كبير على استيراد مسحوق الحليب لتغطية الطلب المحلي، حول ما إذا كانت قد استوردت في السنوات الماضية حليبًا ملوثًا من فرنسا. فعند مراجعة بيانات التبادل التجاري للفترة الممتدة من ما قبل 2020 وحتى اليوم، يتضح أن الجزائر كانت، خلال سنوات طويلة، من بين الدول التي استوردت كميات معتبرة من مسحوق الحليب ومنتجات الألبان من فرنسا. في عام 2018 وحده، بلغت واردات الجزائر من الحليب المجفف ما يزيد عن 400 ألف طن من مختلف الموردين، واحتلت فرنسا حينها مكانة مهمة في قائمة الدول المصدّرة. وبما أن التلوث قد يكون موجودًا منذ ما قبل 2020، فمن الوارد جدًا أن الجزائر استوردت حليبًا مجففًا أو مركّزًا يحمل آثار هذا التلوث دون علم الجهات الرقابية أو الصحية، بسبب غياب التحاليل الدقيقة أو الدراسات المستقلة حول هذا النوع من المواد.

لكن مع تطور الأوضاع السياسية والاقتصادية، بدأت الجزائر في تقليص وارداتها من فرنسا تدريجياً بعد 2020، ليصل الأمر في 2023 إلى مستويات متدنية جداً، حيث لم تتجاوز قيمة واردات الجزائر من الحليب من فرنسا 1,700 دولار، وهو رقم رمزي مقارنة بوارداتها من تركيا ونيوزيلندا ودول أخرى. وفي عامي 2024 و2025، واصلت الجزائر هذا التوجّه، فتوقفت تقريبًا عن استيراد الحليب من فرنسا، في ظل سعيها لتنويع مصادر التوريد، والاعتماد على شركاء جدد، خاصة في إفريقيا وآسيا. وعليه، فإن احتمال أن تكون الجزائر قد استوردت حليبًا ملوثًا من فرنسا خلال 2025 ضئيل جدًا، لكنه لا يلغي إمكانية حصول ذلك في الماضي، خاصة في الفترة التي سبقت الحظر الأوروبي لمادة E171.

وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال أهمية التوجهات الاقتصادية لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي شدّد مرارًا على ضرورة النهوض بالإنتاج المحلي في شتى المجالات، وعلى رأسها المواد الغذائية الأساسية وعلى رأسها الحليب. سياسة تشجيع المنتوج الوطني وتقليص التبعية للأسواق الأجنبية لا تمثل فقط خطوة نحو الاستقلال الاقتصادي، بل تشكل كذلك حاجزًا وقائيًا أمام المفاجآت الصحية المرتبطة بالاستيراد، على غرار ما كشفت عنه الدراسة الفرنسية. إن دعم الدولة للمزارعين ومصانع الحليب المحلية، ومرافقة الشباب للاستثمار في الصناعات التحويلية الغذائية، يفتح أفقًا حقيقيًا لبناء منظومة إنتاج وطنية نظيفة، مراقبة وشفافة، تُؤمّن صحة المواطن وتُعزّز السيادة الغذائية.

من هنا، يصبح من الضروري ألا تنحصر الإجراءات الوقائية في مراجعة سلاسل التوريد الحالية فقط، بل أن تمتد إلى مراجعة دقيقة للمخزون الغذائي التاريخي، خاصة ما تم استهلاكه من طرف الأطفال والرضّع بين سنوات 2015 و2020، حين كانت الجزائر تستورد كميات ضخمة من الحليب الفرنسي وغيره. فالكشف المتأخر عن تلوث مزمن لا يعفي من مسؤولية تحليل الأثر الرجعي على الصحة العامة، ولا من تطوير آليات إنذار مبكر تتيح الكشف عن هذه المواد في المنتجات الغذائية قبل تسويقها.

ورغم الجدل المتكرر حول سلامة الأغذية، يظل المستهلك الحلقة الأضعف في غياب آليات فعالة للتوعية والحق في الحصول على المعلومة. فمع توسع السوق وتعدد علامات الحليب المجفف والمكملات الغذائية، يصعب على المواطن العادي أن يعرف مصدر ما يستهلكه، أو مستوى أمانه الحقيقي. ولهذا، فإن مثل هذه الدراسات، رغم ما تحمله من رسائل مقلقة، تؤدي دوراً بالغ الأهمية في كشف مناطق الظل، وتذكّر الحكومات والمواطنين على السواء بأن الأمن الغذائي لا يعني فقط وفرة الغذاء، بل أيضاً خلوّه من المواد السامة والمسرطنة، سواء كانت مقصودة أو ناتجة عن تلوث بيئي شامل.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

فرنسا تستعد لإعادة أسلحة للأمير عبد القادر إلى الجزائر

كشفت تقارير إعلامية وتصريحات لمؤرخين فرنسيين عن اقتراب إعادة مجموعة من الأسلحة التاريخية ا…