‫الرئيسية‬ الأولى القضاء الفرنسي يفتح تحقيقًا حول ثروة محمد بجاوي
الأولى - الحدث - الوطني - ‫‫‫‏‫6 أيام مضت‬

القضاء الفرنسي يفتح تحقيقًا حول ثروة محمد بجاوي

القضاء الفرنسي يفتح تحقيقًا حول ثروة محمد بجاوي
عاد اسم محمد بجاوي، الوزير الجزائري الأسبق ورئيس محكمة العدل الدولية سابقًا، إلى واجهة النقاش العام في فرنسا بعد سنوات من الغياب، ولكن هذه المرة من زاوية قضائية ومالية دقيقة، تتجاوز السجال السياسي والإعلامي إلى دائرة التحقيقات الرسمية.

فقد كشفت تقارير صحفية فرنسية أن النيابة الوطنية المالية في باريس تدرس بجدية إشارة قانونية جديدة تتعلق بثروة وأملاك يُعتقد أن بجاوي راكمها على الأراضي الفرنسية، وهي أملاك تطرح، بحسب التحقيق، تساؤلات جوهرية حول مصدر الأموال التي موّلت اقتناءها، خاصة إذا ما قورنت بمداخيل الرجل الرسمية خلال فترة شغله مناصب قضائية دولية يفترض فيها التحفظ والاستقلال المالي. التحقيق يركز على شبهات تتعلق بتبييض أموال وتهرب ضريبي محتمل، في ملف لم يصل بعد إلى مرحلة الاتهام، لكنه تجاوز، بحسب متابعين، مرحلة الفضول الصحفي إلى مستوى التدقيق القضائي المنهجي.

وتشير المعطيات التي تداولتها الصحافة الفرنسية، نقلًا عن مصادر قريبة من الملف، إلى أن محمد بجاوي، الذي كان يتقاضى خلال فترة عمله قاضيًا بمحكمة العدل الدولية راتبًا شهريًا يقدّر بنحو خمسة عشر ألف يورو، تمكن من تكوين ثروة عقارية ومالية توصف بأنها ضخمة، وتُقدّر بعشرات ملايين اليوروهات. هذا التفاوت الصارخ بين الدخل المعلن وحجم الممتلكات هو ما دفع النائب الفرنسي فيليب لاتومب، المنتمي إلى حزب الحركة الديمقراطية، إلى إيداع إخطار قضائي موجّه إلى النيابة الوطنية المالية الفرنسية خلال صيف 2025، مرفقة بعناصر اعتبرها كافية لفتح مسار تدقيق معمّق في مصادر الأموال ومساراتها، سواء داخل فرنسا أو عبر قنوات مالية عابرة للحدود.

ولفهم السياق الأعمق لهذه القضية، تعود أغلب التحقيقات إلى مطلع الألفية الجديدة، حين كانت محكمة العدل الدولية تفصل في نزاع استراتيجي بالغ الحساسية بين دولتين خليجيتين هما قطر والبحرين، حول ترسيم المياه الإقليمية والسيادة على مناطق بحرية غنية بالغاز الطبيعي، في واحدة من أهم القضايا التي نظرتها المحكمة خلال تلك المرحلة. ففي سنة 2001، أصدرت المحكمة حكمًا لصالح قطر، وهو قرار أثار آنذاك جدلًا واسعًا في الأوساط القانونية والدبلوماسية، واعتبره عدد من الخبراء مفاجئًا بالنظر إلى المعطيات التقنية والقانونية المطروحة. محمد بجاوي كان أحد القضاة الذين شاركوا في إصدار ذلك الحكم، بل وكان قد شغل سابقًا منصب رئيس المحكمة بين عامي 1994 و1997، ما وضع اسمه لاحقًا في قلب كل النقاشات التي أثيرت حول نزاهة القرار.

هذه الشكوك التي بقيت لسنوات في دائرة التحليل غير الرسمي، عادت إلى الواجهة بقوة بعد تفجر فضائح فساد دولية مرتبطة بالتأثير السياسي والمالي لبعض الدول الخليجية في أوروبا، خصوصًا بعد قضايا طالت مؤسسات أوروبية وشخصيات سياسية رفيعة. في هذا السياق، اعتبر النائب الفرنسي فيليب لاتومب أن الوقت أصبح مناسبًا لإعادة طرح ملف حكم محكمة العدل الدولية لسنة 2001 من زاوية جديدة، ليس عبر الطعن في القرار نفسه، بل عبر مساءلة المسارات المالية لبعض القضاة الذين شاركوا فيه، وفي مقدمتهم محمد بجاوي، وهو ما تُرجم بإيداع إخطارات متتالية لدى النيابة المالية الفرنسية منذ سنة 2023.

التحقيق الفرنسي لا ينطلق في فراغ، بل يتقاطع مع مسار قضائي جزائري سابق لا يقل ثقلًا. ففي يناير 2023، أدان القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بمحكمة سيدي أمحمد محمد بجاوي في قضية فساد تتعلق بالمشاركة في تبديد المال العام خلال إبرام صفقات مع مؤسسات أجنبية، في إطار ما يُعرف بملف سوناطراك 3، وهو حكم صدر غيابيًا وقضى بعقوبة سالبة للحرية. ورغم اختلاف السياقين القضائيين بين الجزائر وفرنسا، إلا أن هذا المعطى يعزز، في نظر متابعين، فرضية وجود نمط متكرر من الشبهات المالية، ويمنح للتحقيق الفرنسي بعدًا إضافيًا يتجاوز مجرد استهداف سياسي أو إعلامي.

في فرنسا، تحرص النيابة المالية الوطنية على التزام الصمت الرسمي، مكتفية بالتأكيد على أن الملف لا يزال في مرحلة الدراسة الأولية، وأنه يخضع لإجراءات التحقق المعتادة في قضايا تبييض الأموال والتهرب الضريبي، دون استبعاد أي فرضية أو استنتاج مسبق. غير أن مجرد إدراج اسم شخصية شغلت مناصب قضائية دولية رفيعة ضمن دائرة اهتمام النيابة المالية، يُعد في حد ذاته مؤشرًا على حساسية القضية، وعلى الأثر المحتمل الذي قد تتركه على صورة العدالة الدولية، خاصة إذا ما ثبت لاحقًا وجود اختلالات أو ممارسات غير قانونية.

وتطرح هذه القضية، في بعدها الأوسع، أسئلة تتجاوز شخص محمد بجاوي لتلامس مصداقية المؤسسات القضائية الدولية، ومعايير الشفافية والنزاهة التي يُفترض أن تحكم عمل قضاة يفصلون في نزاعات سيادية تمس مصالح دول وشعوب، وتُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات. فمحكمة العدل الدولية تُعد أعلى هيئة قضائية في منظومة الأمم المتحدة، وأي شبهة تطال أحد قُضاتها السابقين لا تُقرأ فقط كقضية فردية، بل كاختبار لمنظومة كاملة يُفترض أنها تقف فوق الشبهات.

وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية في باريس، يبقى الملف مفتوحًا على أكثر من احتمال، بين فرضية ثراء غير مبرر يحتاج إلى تفسير قانوني مقنع، وفرضية استثمار سياسي وإعلامي في سياق توتر دبلوماسي أوسع بين الجزائر وفرنسا. وبين هذين المسارين، يظل الثابت الوحيد أن القضية لم تعد مجرد مادة صحفية، بل تحولت إلى مسار قضائي حساس، قد تكون له تداعيات قانونية وسياسية تتجاوز حدود الشخص المعني، وتمس صورة العدالة الدولية نفسها في زمن تتزايد فيه المطالب بالشفافية والمساءلة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

تفكيك شبكات دولية وحجز أزيد من 4,3 ملايين قرص مهلوس و8 قناطير من المخدرات

واصلت وحدات الجيش الوطني الشعبي، بمختلف مكوناته، توجيه ضربات موجعة لشبكات الجريمة المنظمة …