‫الرئيسية‬ الأولى الكلاب تنبح.. وقطار غار جبيلات يسير
الأولى - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫3 أيام مضت‬

الكلاب تنبح.. وقطار غار جبيلات يسير

الكلاب تنبح.. وقطار غار جبيلات يسير
لم أجد عنوانًا أصدق ولا أبلغ لوصف الحملة التي يقودها المخزن، ومعه جيش من الحركى 2.0، ضد مشروع غار جبيلات، سوى هذا المثل الذي يلخص المشهد بدقة. حملة لا تُدار بالحجج ولا بالمعطيات، بل بالضجيج، والتشكيك، وبث الإحباط، في محاولة يائسة للنيل من مشروع استراتيجي يُعيد رسم خريطة التنمية في الجنوب الغربي للجزائر.

بعد إنجاز ما يقارب 930 كيلومترًا من السكة الحديدية التي تربط تندوف ببشار، لم يعد الحديث عن غار جبيلات مجرد وعود أو خطط على الورق، بل دخل مرحلة التجسيد الملموس. هذا الخط الحديدي ليس تفصيلًا تقنيًا ثانويًا، بل هو العمود الفقري لمشروع مهيكل، ينقل خام الحديد من أقصى الجنوب الغربي نحو الشمال، سواء لتغذية مركبات الحديد والصلب أو لتسويقه لاحقًا، ويضمن في الوقت نفسه نقل المسافرين وفك العزلة عن مناطق شاسعة ظلت لعقود خارج ديناميكية التنمية.

غار جبيلات، في جوهره، ليس منجمًا معزولًا في الصحراء، بل منظومة صناعية ولوجستية متكاملة. الحديث هنا عن واحد من أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم، باحتياطات تُقدَّر بمليارات الأطنان. صحيح أن طبيعة الخام، ذات المحتوى المرتفع من الفوسفور، شكّلت لسنوات طويلة عائقًا تقنيًا، لكن هذا العائق لم يُواجَه بالشعارات، بل بسلسلة طويلة من الدراسات العلمية والتقنية التي أفضت إلى حلول معالجة وإثراء واقعية، سمحت بالانتقال من مرحلة “الاستحالة” إلى مرحلة الاستغلال الفعلي.

الأهم من ذلك أن المشروع لا يقوم على منطق تصدير الخام فقط، كما يروّج له المشككون، بل يندرج ضمن رؤية صناعية أشمل، تهدف إلى تثمين المورد داخل الوطن، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتعزيز الأمن الصناعي، وخلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة في مناطق طالها التهميش. هذا البعد هو بالضبط ما يتم تجاهله عمدًا في خطاب الحملة، لأنه يُسقط رواية “المغامرة الفاشلة” التي يحاولون تسويقها.

هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة تجربة طريق الوحدة الإفريقية التي أنجزها الراحل هواري بومدين. يومها، كتب الصحفي الفرنسي بول بالطا في “لوموند” عن “مشروع السراب”. سكت بومدين وتألم، لكنه لم يُجادل. وعندما افتُتح الطريق، دعا بالطا إلى تمنراست، وضرب بقدمه على الإسفلت قائلًا: “هذا الطريق لم يعد سرابًا، بل أصبح حقيقة”. التاريخ يعيد نفسه، لكن بأسماء وأدوات مختلفة.

مهاجمة المشاريع الجزائرية من الخارج ليست جديدة. فرنسا فعلتها بالأمس، والمخزن يفعلها اليوم، ومعه أدوات محلية لا تقل ضجيجًا. أي رئيس يعمل لصالح تنمية بلده يُهاجَم، كما يُهاجَم اليوم الرئيس عبد المجيد تبون، في محاولة لتكرار السيناريو نفسه: شخصنة المشاريع، ونسبتها إلى الرئيس لا إلى الدولة، لتسهيل ضربها وتشويهها وكسب عاطفة المتذمرين.

وما يثير الأسى أكثر أن بعض من يحملون الجنسية الجزائرية صاروا أكثر حماسة في ترديد أطروحات المخزن، وذهبوا حد الوقاحة بادعاء وجود “اتفاقية تقاسم” لمنجم غار جبيلات. هذا كذب صريح. لا توجد أي اتفاقية تتحدث عن تقاسم المنجم أو المساس بسيادته. كل ما كان مطروحًا في وقت سابق لا يتعدى فكرة تأسيس شركة مختلطة لشراء المعدن، ولم ترَ هذه الفكرة النور أصلًا، ولم تتجاوز إطار تفاهمات عامة في سياق إقليمي انتهى. المنجم جزائري، تحت السيادة الجزائرية، ولا نص قانونيًا واحدًا يناقض ذلك.

المخزن وجد في هذه الأكاذيب مادة جاهزة، واستعمل لها جيشًا إلكترونيًا وإعلاميًا لبث الإحباط، وكأن المشروع لا يخدم الشعب الجزائري، بل “شخصًا”. نفس الأسطوانة التي استُعملت ضد بومدين، وضد كل مشروع سيادي كبير. لكن التاريخ لا يرحم، وهو الذي سجل تلك المشاريع، وسيسجل غار جبيلات كمنعطف تنموي، لا كعنوان في حملة تشويه.

لا نسمع هؤلاء يتحدثون عن إهدار المليارات في “مملكة ما بين الوادين”، ولا عن المشاريع المتعثرة هناك. سهامهم موجهة في اتجاه واحد فقط: الجزائر. حرب إعلامية انطلقت منذ سنوات، تعمقت، وأصبحت يومية، بخطاب مزدوج: تهجّم ثم مهادنة، تشكيك ثم تودد، في محاولة لخلق ارتباك داخل الرأي العام الجزائري ودفعه للتشكيك في دولته.

لكن الاستعمار، وممثله المخزن، لن يستسيغ أن تنجز الجزائر مشاريع مهيكلة بهذا الحجم، من استغلال منجم استراتيجي، إلى بناء خط حديدي بطول 930 كيلومترًا، إلى إطلاق قطار يفك العزلة عن مناطق كاملة. هذه ليست تفاصيل، بل معالم سيادة وتنمية. وهكذا هي الحياة دائمًا: القافلة تسير، والكلاب تنبح.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

إبستين يفضح الغرب… ويعرّي صمت العرب!

بدأت الوثائق المرتبطة بملف رجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين، التي أُفرج عن أجزاء م…