هل تتحول إيران إلى “فيتنام” جديدة لأمريكا؟
تدخل الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية، بدعم مباشر من “إسرائيل”، ضد إيران أسبوعها الرابع، في تطور ميداني وسياسي يبتعد تدريجياً عن التصورات الأولية التي رُوّج لها في بدايات التصعيد. فبعد أن قُدّمت هذه الحرب على أنها عملية سريعة قد لا تتجاوز أياماً أو أسابيع بهدف إضعاف النظام الإيراني أو تغييره، تحولت إلى مواجهة مفتوحة ومعقدة تتزايد كلفتها مع مرور الوقت.
وعلى خلاف التقديرات الأولية، أظهرت إيران قدرة واضحة على الصمود والمواجهة، حيث ما تزال قادرة على الرد عبر استهداف مواقع داخل “إسرائيل”، في مؤشر على أن ميزان الردع لم يُحسم بعد. هذا الواقع الميداني يعكس تحول الصراع من سيناريو “حرب خاطفة” إلى حرب استنزاف طويلة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول مآلات هذه المواجهة.
ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع دون أفق سياسي واضح، بدأت تداعياتها الاقتصادية تظهر بشكل ملموس، خاصة من خلال ارتفاع أسعار النفط والغاز، إضافة إلى اضطراب سلاسل التوريد المرتبطة بمواد أساسية، من بينها الأسمدة التي تُعد عنصراً حيوياً للقطاع الزراعي العالمي. هذه المؤشرات تعكس أن تأثير الحرب لم يعد محصوراً في نطاقها الجغرافي، بل بات يمتد إلى الاقتصاد العالمي ككل.
على الصعيد الداخلي الأمريكي، برزت مؤشرات توتر متزايدة في الرأي العام، حيث بدأت الانتقادات تتصاعد، حتى داخل بعض الأوساط القريبة من الإدارة الأمريكية، في ظل تساؤلات حول جدوى الانخراط في صراع طويل ومكلف. كما لوحظ اتساع دائرة النقاش الإعلامي حول طبيعة العلاقة بين واشنطن و”إسرائيل”، وهو نقاش كان إلى وقت قريب يُطرح بحذر شديد، لكنه بات اليوم أكثر حضوراً وجرأة في بعض المنابر الإعلامية.
دولياً، لم تتمكن الولايات المتحدة من حشد دعم واسع لتحرك عسكري موسع، حيث أبدت عدة دول أوروبية تحفظاً على الانخراط المباشر في العمليات، خاصة في ما يتعلق بأي تدخل عسكري محتمل في منطقة حساسة مثل مضيق هرمز، الذي يشكل شرياناً حيوياً للطاقة العالمية. ويعكس هذا الموقف حذراً أوروبياً من الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تكون لها تداعيات غير محسوبة.
في المقابل، كشفت هذه المواجهة عن تطور ملحوظ في القدرات العسكرية الإيرانية، سواء من حيث مدى الصواريخ أو قدرتها على الوصول إلى أهداف بعيدة، إضافة إلى ما يُتداول حول تحسن منظومات الرصد والدفاع الجوي. ورغم اختلاف التقديرات حول حجم هذه القدرات، فإن المؤكد هو أن المواجهة لم تعد أحادية الجانب كما كان يُعتقد.
وفي هذا السياق، يطرح بعض المراقبين سيناريو “حرب الاستنزاف” بوصفه الإطار الأقرب لفهم تطورات الوضع، خاصة مع الحديث عن ضغط متزايد على أنظمة الدفاع، وتزايد كلفة العمليات العسكرية على مختلف الأطراف. كما أن استمرار الحرب دون حسم سريع قد يعيد طرح مقارنات تاريخية مع تجارب سابقة واجهت فيها الولايات المتحدة صعوبات في حسم صراعات طويلة خارج أراضيها.
من جهة أخرى، تبحث واشنطن عن مخرج سياسي يحفظ توازنها الاستراتيجي، غير أن أي تسوية محتملة تبدو معقدة في ظل تمسك إيران بشروطها، وفي ظل تداخل الأبعاد الإقليمية والدولية لهذا الصراع.
وفي المحصلة، تبدو الحرب في مسار تصاعدي مفتوح على عدة سيناريوهات، تتراوح بين استمرار الاستنزاف أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع، في وقت تتزايد فيه كلفة الصراع سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. وهو ما يطرح السؤال المركزي: هل تتحول هذه الحرب إلى نموذج جديد لصراع طويل الأمد، يعيد رسم توازنات المنطقة ويعيد فتح النقاش حول حدود القوة الأمريكية في إدارة الأزمات الدولية؟
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
انسجام الخطاب السياسي في القضايا الدولية… بين مقتضيات الدستور ومسؤولية الأحزاب
تفرض التحولات الدولية المتسارعة، وما يطبع المشهد الجيوسياسي من توتر غير مسبوق، قدراً عاليا…






