أزمة الصحافة الجزائرية.. بين الإشهار والمصير المحتوم
تعاني الصحافة الجزائرية من أزمة متعددة الأبعاد، تمتد من الجوانب المالية إلى المهنية والسياسية. الإشهار، الذي يُفترض أن يكون محركًا لدعم الإعلام، أصبح عنصرًا رئيسيًا يُحدد مصير المؤسسات الإعلامية بين البقاء أو الزوال. ومع ذلك، يخضع توزيعه لاعتبارات تغيب عنها الشفافية والإنصاف، ما يعمق أزمة الإعلام ويضعفه كسلطة رابعة مستقلة.
بدلًا من أن يكون الإشهار وسيلة لدعم الإعلام وتحفيزه على تقديم محتوى احترافي، تحول إلى أداة تلاعب وهيمنة تخدم مصالح متشابكة. يُوزع بشكل انتقائي يخدم شبكات الفساد والبيروقراطية، مما يترك العديد من الصحف ذات الجودة المهنية تُصارع للبقاء، في حين تستمر أخرى بفضل الدعم دون معايير واضحة. هذه الممارسات أضعفت التنافسية وقتلت المبادرات الإعلامية الجادة، لتُرسخ بيئة احتكارية غير صحية زادت من تعقيد القطاع.
معاناة الصحف للحصول على الإشهار أصبحت مرهقة؛ إذ تخوض العديد منها رحلة طويلة للحصول على التمويل دون جدوى. هذا الوضع دفع بعض الإعلاميين إلى اللجوء إلى منصات التواصل الاجتماعي للفت الانتباه أو إثارة الرأي العام، كملاذ أخير لمحاولة تغيير الواقع المتأزم قبل فوات الأوان.
ما يزيد من تعقيد الأزمة هو غياب استراتيجية واضحة لتطوير الإعلام. في حين تدرك الجزائر أهمية الصحافة كركيزة للتنمية والتثقيف، يبدو أنها تفتقر إلى إرادة سياسية حقيقية لوضع سياسات متكاملة. تُصدر القوانين دون أن تُفعّل بجدية أو تطبق بانتقائية، مما يعكس تضاربًا في الأولويات وافتقارًا إلى رؤية شاملة تنهض بقطاع الصحافة.
الرئيس عبد المجيد تبون أشار بوضوح إلى التحديات التي تواجه الإعلاميين في الجزائر، حين وصفهم بأنهم “لديهم أعداء كثر وليس لهم سوى القليل من الأصدقاء”. هذا التصريح يختزل واقع الصحافة الجزائرية التي تخوض معارك عدة: للبقاء المالي، لاستقلالية التحرير، ولإعادة بناء ثقة الجمهور التي تضررت بفعل التضليل وضعف الأداء الإعلامي.
تزامنًا مع هذه الأزمة، تحتاج الجزائر إلى إعلام قوي ومهني قادر على مواجهة التحديات الوطنية والدولية. يتطلب ذلك مشروعًا إعلاميًا وطنيًا يعزز النزاهة والمهنية بعيدًا عن الحسابات السياسية والمحسوبيات. دعم الصحافة يجب أن يكون قائمًا على الشفافية، مع احترام استقلالية الإعلام والتزامه بالمعايير الأخلاقية.
الرهان اليوم يكمن في إدراك الدولة أن الصحافة ليست عبئًا بل شريكًا في عملية البناء والتنمية. إذا تم تقديم الدعم اللازم للصحافة دون تقييد استقلاليتها، يمكن لهذا القطاع أن يستعيد مكانته كأداة فعالة في تعزيز الديمقراطية والتنمية الوطنية.
رغم التحديات، تبقى آفاق النهوض بالصحافة الجزائرية قائمة. بتحقيق بيئة تتيح حرية التعبير، ودعمًا قائمًا على النزاهة، ورؤية واضحة، يمكن للإعلام أن يلعب دورًا جوهريًا في بناء جزائر قوية تلبي طموحات شعبها وتواكب تحديات العصر. الصحافة القوية هي دعامة أساسية لدولة قوية ومتقدمة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
“كان 2025”.. فضيحة دولية مكتملة الأركان
ما حدث في المواجهة التي جمعت السنغال بالمنتخب المستضيف في كأس إفريقيا لم يكن مجرد جدل تحكي…







