أزمة دبلوماسية تؤكد ازدواجية معايير باريس.. “فرنسا القديمة” في مواجهة الجزائر الجديدة
عادت الأزمة بين الجزائر وفرنسا إلى الواجهة من جديد، رغم محاولات التهدئة الأخيرة التي تلت شهورًا من القطيعة والتجاذب الدبلوماسي. لكن هذه المرة، جاءت الردود الجزائرية بحزم واضح ورسالة لا تخطئها العين: الجزائر الجديدة لن تقبل الإهانة، ولن تقايض كرامتها بأي ثمن.
فبعد أن قررت الجزائر طرد اثني عشر موظفًا تابعين لوزارة الداخلية الفرنسية ومنحتهم مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد، سارعت باريس إلى الرد بإجراء مماثل، ورافقت ذلك حملة تصريحات سياسية وإعلامية تتهم الجزائر بـ”تصعيد غير مبرر”. غير أن الواقع، كما تراه الجزائر وكما يدركه قطاع واسع من المراقبين، أن القرار كان ردًا سياديًا ومشروعًا على سلسلة من التجاوزات الفرنسية، آخرها توقيف موظف قنصلي جزائري في ملف مشبوه ومسيّس.
في قلب الأزمة، قضية توقيف ثلاثة رجال في فرنسا، أحدهم يعمل ضمن الطاقم القنصلي الجزائري، واتهامهم بالضلوع في “اختطاف واحتجاز” أمير بوخرص، المعروف إعلاميًا بـ”أمير ديزاد”. الغائب الكبير عن الرواية الفرنسية هو أن بوخرص ليس “معارضًا سياسيًا” كما يُروّج، بل لاجئ مطلوب للعدالة الجزائرية في قضايا جنائية خطيرة، تحريض على العنف، تشهير، إساءة لمؤسسات الدولة، ونشر أخبار كاذبة تمس بالأمن القومي.
تجاهل السلطات الفرنسية لهذه الحقائق، وتقديمها لـ”أمير ديزاد” كضحية، يكشف عن ازدواجية مقلقة في المعايير. فمن جهة، تُرفع شعارات احترام القانون واستقلالية القضاء، ومن جهة أخرى، تُوفر الحماية لشخص ملاحق قضائيًا، ويتم اعتقال دبلوماسي جزائري بناءً على روايات إعلامية غير موثوقة، ما يُعد انتهاكًا صارخًا للأعراف والاتفاقيات الدولية.
رد الجزائر لم يكن متسرعًا أو انفعاليًا، بل جاء سياسيًا ودبلوماسيًا محسوبًا، يؤكد على أن السيادة الوطنية والكرامة فوق كل اعتبار. الجزائر لم تبادر بالتصعيد، لكنها رفضت الرضوخ أمام ممارسات تمسّ بممثليها وتتنافى مع مبدأ المعاملة الندية بين الدول.
هذا التصعيد المتبادل ليس مجرد إجراء إداري، بل إشارة واضحة إلى أن زمن “الاستعلاء الفرنسي” قد ولى. الجزائر تعيد اليوم ضبط بوصلة علاقاتها مع باريس، على أسس جديدة قوامها الندية والاحترام المتبادل، بعيدًا عن عقلية التوجيه والإملاء.
تصريحات الإليزيه، ووزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو، كشفت عن قلق فرنسي من تصاعد استقلالية القرار الجزائري، ومحاولة يائسة لإعادة فرض الهيمنة على بلد لم يعد يقبل بلعب دور “الشريك الأصغر”. ريتايو، المعروف بعدائه للجزائر، لم يتردد في استخدام لغة استفزازية، متهمًا الجزائر بتحويل فرنسا إلى “ملعب لأجهزتها الأمنية”.
لكن السؤال الجوهري، من جعل من فرنسا ملاذًا آمنًا لأشخاص مطلوبين؟ من يختبئ خلف شعارات “حرية التعبير” لحماية ملاحقين قانونيًا؟ ومن يُعطّل التعاون القضائي بين البلدين؟
الجزائر لم تلجأ للتصعيد إلا بعدما بلغت التجاوزات الفرنسية حدًا غير مقبول. وهي اليوم، بقيادتها الجديدة، دولة ذات ثقل دبلوماسي، تفرض احترامها عبر المواقف لا الشعارات.
ولا يمكن فصل الأزمة الحالية عن جذورها، فقد بدأت شرارتها منذ أكثر من ثمانية أشهر عندما دعم الرئيس ماكرون مخطط “الحكم الذاتي المغربي” في الصحراء الغربية، في تجاهل سافر للشرعية الدولية وموقف الجزائر التاريخي. أعقب ذلك قضايا أخرى زادت من حدة التوتر، كملف الهجرة، وقضية الكاتب بوعلام صنصال، الذي يُحاكم في الجزائر، وحُوّلت قضيته إلى مادة للضغط الإعلامي والسياسي الفرنسي.
نحو علاقة قائمة على الندية لا الهيمنة رغم تعقيد المشهد، تُشكّل الأزمة الحالية فرصة حقيقية لإعادة بناء علاقة صحية بين الجزائر وفرنسا، قائمة على الواقعية والاحترام لا الهيمنة والإملاءات. فإذا كانت باريس تريد فعلاً استئناف الحوار، فعليها أن تراجع مقاربتها، وتتوقف عن التدخل في الشأن الداخلي الجزائري، وعن توفير الحماية لمطلوبين، تحت ذريعة “الحرية”.
لقد أثبتت الجزائر أنها دولة تحترم الحوار، لكنها ترفض الوصاية. وأن كرامتها الوطنية وسلطتها القضائية ليستا محل مساومة. الأزمة الحالية، على حدتها، تعيد ترتيب المشهد، وتؤكد أن الجزائر اليوم تتحدث من موقع الندّ، لا التابع.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
سقوط طائرة نقل عسكرية ببوفاريك يخلف شهيدين وإصابة أربعة… وتعازي رسمية لعائلتي الضحيتين
خلّف حادث سقوط طائرة نقل عسكرية صغيرة بالناحية العسكرية الأولى، ظهر اليوم الخميس، استشهاد …







