‫الرئيسية‬ الأولى بلجيكا… ملاذ الجزائريين الآمن منذ أكثر من قرن
الأولى - الحدث - الوطني - رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫9 دقائق مضت‬

بلجيكا… ملاذ الجزائريين الآمن منذ أكثر من قرن

بلجيكا… ملاذ الجزائريين الآمن منذ أكثر من قرن
تشكل زيارة وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف إلى بروكسل محطة سياسية ذات دلالات تاريخية عميقة، تعيد إلى الواجهة طبيعة العلاقات الخاصة التي جمعت الجزائر ببلجيكا عبر مراحل مفصلية من تاريخها، من فترة الحركة الوطنية إلى سنوات الأزمة الأمنية في تسعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي استعادت فيها الجزائر مكانتها الإقليمية والدولية.

وتحمل هذه الزيارة أبعادًا رمزية، خاصة وأن أحمد عطاف سبق له أن زار بروكسل خلال فترة الإرهاب، عندما كان يشغل نفس المنصب، حيث واجه آنذاك حملات إعلامية وسياسية شرسة استهدفت الجزائر في المحافل الأوروبية. وقد تميزت تلك المرحلة بمحاولات لتشويه صورة الدولة الجزائرية، عبر الترويج لخطاب مغلوط حول الأوضاع الأمنية، من بينها الطرح الذي روّجت له بعض الدوائر المرتبطة بالمخابرات الفرنسية تحت عنوان “لا نعرف من يقتل من في الجزائر”، فضلًا عن محاولة فرض توصيفات سياسية مثيرة للجدل مثل “المعارضة المسلحة”، وهو ما اعتُبر حينها مساسًا بسيادة الجزائر وصورة مؤسساتها.

وفي هذا السياق، برز دور أحمد عطاف في الدفاع عن الموقف الجزائري، حيث نجح في تقديم رواية الدولة الجزائرية داخل البرلمان الأوروبي، مقنعًا عددًا من البرلمانيين بضرورة فهم ما يجري في سياقه الحقيقي، بعيدًا عن القراءات الإعلامية المنحازة. واليوم، يعود رئيس الدبلوماسية الجزائرية إلى بروكسل في ظرف مختلف، حيث تمكنت الجزائر من تجاوز خطر الإرهاب أمنيًا، بينما تواصل جهودها لمواجهة جذوره الفكرية والإيديولوجية، في وقت عززت فيه مكانتها الدولية، خاصة في عهد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.

وعلى الصعيد التاريخي، ارتبطت بلجيكا، ولا سيما العاصمة بروكسل، بمسار الحركة الوطنية الجزائرية، حيث شكلت فضاءً آمنًا لنشاط المناضلين الجزائريين بعيدًا عن ملاحقات الاستعمار الفرنسي. ففي سنة 1927، احتضن قصر إيغمونت في بروكسل، التابع حاليًا لوزارة الخارجية البلجيكية، أحد أبرز اللقاءات الدولية، حيث ألقى الزعيم الوطني مصالي الحاج خطابًا إلى جانب المناضل عبد القادر حاج علي، في حضور شخصيات ثورية عالمية، من بينها الزعيم الفيتنامي هو تشي منه، ما يعكس البعد الدولي المبكر للقضية الجزائرية.

كما لعبت بلجيكا دورًا داعمًا خلال حرب التحرير، حيث احتضنت شبكات دعم الثورة الجزائرية في أوروبا، فيما عُرف بـ“جبهة الشمال”، التي ضمت متضامنين أوروبيين، من بينهم المحامي سيرج موروا، الذي عبّر في أكثر من مناسبة عن فخره بدعمه للثورة الجزائرية، واعتبر ذلك التزامًا أخلاقيًا لن يندم عليه.

ولم تخلُ هذه المرحلة من تضحيات، إذ شهدت بلجيكا أيضًا عمليات استهداف لمناضلين جزائريين من قبل ما عُرف بـ“اليد الحمراء”، الذراع السرية للاستعمار الفرنسي، ومن بينها اغتيال الطالب أكلي عايسو، الذي أثار تشييعه موجة تعاطف دولية، خاصة بعد رفع العلم الجزائري فوق نعشه، في مشهد كان له وقع رمزي قوي على الرأي العام العالمي.

وفي الجانب الاقتصادي والسياسي، عرفت العلاقات الجزائرية-البلجيكية تطورًا ملحوظًا، حيث كانت بلجيكا من بين الدول الأوروبية التي ساندت الجزائر خلال سنوات الأزمة الأمنية، وقدمت تسهيلات لوجستية مهمة، خاصة عبر مطار شارلوروا، الذي استُخدم لتسهيل حركة الخطوط الجوية الجزائرية في ظل الصعوبات التي كانت تواجهها في بعض المطارات الأوروبية.

كما شهدت العلاقات الثنائية محطات مهمة، من بينها التصديق على اتفاق الشراكة الأورو-متوسطي بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، خلال فترة رئاسة بلجيكا للاتحاد. واليوم، تعود هذه العلاقات إلى الواجهة من خلال توقيع اتفاقيات جديدة، تشمل تحديد شروط إعادة المهاجرين غير النظاميين، إلى جانب اتفاق يقضي بإعفاء حاملي جوازات السفر الدبلوماسية من التأشيرة، ما يعكس مستوى متقدمًا من التعاون بين البلدين.

وفي سياق تعزيز الشراكة الاقتصادية، تسعى الجزائر إلى فتح الأسواق البلجيكية أمام منتجاتها، خاصة الزراعية، في وقت تبرز فيه بلجيكا كشريك طاقوي مهم، حيث تستورد الغاز الطبيعي المسال الجزائري عبر ميناء زيبروغ منذ أكثر من ثلاثة عقود. ويُتوقع أن يتعزز هذا التعاون في ظل التحولات التي يعرفها سوق الطاقة العالمي، خاصة بعد التوترات الجيوسياسية التي أثرت على إمدادات الغاز من بعض المناطق.

وتؤكد هذه المعطيات أن بلجيكا لم تكن مجرد شريك عابر في تاريخ الجزائر، بل شكلت على مدى أكثر من قرن فضاءً داعمًا ومؤثرًا في مسارها السياسي والوطني. فمنذ وصول أولى موجات العمال الجزائريين إلى الأراضي البلجيكية سنة 1909، للعمل في مناجم الفحم، إلى اليوم، ظلت بروكسل حاضنة للجالية الجزائرية، التي احتفلت مؤخرًا بمرور أكثر من قرن على تواجدها في هذا البلد.

تعكس زيارة أحمد عطاف إلى بروكسل استمرارية العلاقات التاريخية بين البلدين، وتؤكد أن بلجيكا ما تزال تمثل أحد أهم الفضاءات الأوروبية التي تحتفظ بعلاقات مميزة مع الجزائر، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني، في سياق دولي يتسم بإعادة تشكيل التحالفات وموازين القوى.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

حرب إيران… من يدفع الثمن؟

ترامب يصرّح بأنه سيطلب من بلدان الخليج دفع مصاريف وتكاليف الحرب التي قررها مع “إسرائ…