‫الرئيسية‬ الأولى أنبوب نيجيريا–الجزائر يدخل حيّز التنفيذ ويكشف زيف المشروع المروكي
الأولى - اقتصاد - الحدث - رأي - مال واعمال - مقالات - ‫‫‫‏‫11 ساعة مضت‬

أنبوب نيجيريا–الجزائر يدخل حيّز التنفيذ ويكشف زيف المشروع المروكي

أنبوب نيجيريا–الجزائر يدخل حيّز التنفيذ ويكشف زيف المشروع المروكي
ينطلق رسمياً مشروع أنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا والجزائر مباشرة بعد شهر رمضان، وفق ما أكدته تصريحات رسمية متطابقة من عواصم معنية بالملف، في خطوة استراتيجية تعكس تقدّماً فعلياً في التعاون الطاقوي الإفريقي، وتُبرز الفارق الجوهري بين المشاريع الواقعية القابلة للتجسيد وتلك التي تُسوَّق دعائياً دون سند اقتصادي أو تقني متين. ويأتي هذا التطور في وقت يواصل فيه وزير خارجية المروك، من منبر القمة الإفريقية المنعقدة في أديس أبابا، الترويج لما يُسمّى مشروع الأنبوب المروكي العابر للقارات، في محاولة لتقديمه كبديل إقليمي، رغم التحفظات الواسعة التي أبدتها تقارير طاقوية دولية بشأن جدواه.

فالمشروع المروكي، بحسب معطيات منشورة في دراسات أمريكية وأوروبية متخصصة في البنى التحتية للطاقة، يفترض عبور ما لا يقل عن إحدى عشرة دولة إفريقية، وقطع آلاف الكيلومترات عبر مناطق معروفة بهشاشتها الأمنية، مع فترة إنجاز تقدَّر بخمسٍ وعشرين سنة على الأقل، وبكلفة استثمارية تُصنَّف ضمن المشاريع عالية المخاطر. وتشير تقارير تقييم المخاطر الصادرة عن مكاتب استشارية طاقوية دولية، نُقلت خلاصاتها في صحف إسبانية متخصصة في الاقتصاد والطاقة، إلى أن المشروع، حتى في حال إنجازه نظرياً، لن يحقق عائداً اقتصادياً صافياً قبل مرور ما بين 150 و200 سنة، وهو ما يجعله غير قابل للتمويل البنكي التقليدي وفق معايير مؤسسات التمويل الدولية.

وتضيف المعطيات نفسها أن القدرة التصديرية القصوى المتوقعة للأنبوب المروكي، والمقدّرة بنحو 12 مليار متر مكعب سنوياً، تظل هامشية مقارنة بحاجيات السوق الأوروبية، التي يتجاوز طلبها السنوي 350 مليار متر مكعب، وفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة. وعليه، يُنظر إلى المشروع على نطاق واسع باعتباره موجهاً بالأساس للرأي العام الداخلي في المروك، لا للمستثمرين أو الشركاء الدوليين، خاصة في ظل غياب أي التزام مالي مُعلن من مؤسسات تمويل كبرى أو شركات طاقة عالمية وازنة.

في المقابل، يقوم مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–الجزائر على مقاربة مختلفة جذرياً، ترتكز على الواقعية الجغرافية والجدوى الاقتصادية. فالمسار المقترح يمر عبر دولة واحدة هي النيجر، قبل أن يندمج مباشرة في الشبكة الجزائرية القائمة، التي تُعدّ من بين الأكثر استقراراً وخبرة في حوض المتوسط، وتزوّد بالفعل عدة دول أوروبية بالغاز منذ عقود. هذا المعطى، وفق تقارير أوروبية حول أمن الطاقة، يقلّص التكاليف والمخاطر، ويجعل المشروع جذاباً من حيث التمويل والتنفيذ.

الاتفاق الجزائري–النيجري–النيجيري، الذي تم تأكيده عقب الزيارة الأخيرة للرئيس النيجري عبد الرحمن تشياني إلى الجزائر، يمنح المشروع بعداً تنموياً إقليمياً، إذ ستستفيد النيجر من إمدادات طاقوية لتغذية مشاريع البنية التحتية، إضافة إلى مداخيل عبور تعزّز ميزانيتها، وهو نموذج أوصت به تقارير البنك الدولي بشأن مشاريع الطاقة العابرة للحدود في إفريقيا.

وتشير مصادر تقنية إلى أن مدة إنجاز المشروع لا تُقاس بعقود، بل بأشهر إلى سنوات محدودة، بالنظر إلى اعتماده على بنى تحتية موجودة وخبرة جزائرية موثّقة في إنجاز وتشغيل أنابيب الغاز العابرة للحدود. كما أعلنت الجزائر، وفق بيانات رسمية، عن تعزيز منظومة حماية المنشآت الطاقوية عبر وسائل مراقبة فضائية وآليات تدخل سريع، في إطار تنسيق أمني مباشر مع النيجر، بما يتماشى مع توصيات الوكالة الدولية للطاقة بشأن حماية البنى التحتية الحيوية.

وفي ما يخص أنبوب الغاز الذي كان يربط الجزائر بإسبانيا عبر الأراضي المروكية، تؤكد معطيات السوق الطاقوية أن توقفه جاء نتيجة انتهاء الإطار التعاقدي الذي كان ينظّم تشغيله، وليس نتيجة أي ضغوط خارجية. أما الادعاءات المتداولة حول “ضغط أمريكي” لإعادة تشغيله، فتتعارض مع واقع أن الولايات المتحدة تُعد منافساً مباشراً للجزائر في سوق الغاز، وتسعى لتوسيع صادراتها من الغاز الصخري إلى أوروبا وشمال إفريقيا، وفق تقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ما يجعل من غير المنطقي اقتصادياً دعم عودة غاز منافس إلى السوق.

وفي سياق متصل، أثارت تصريحات صادرة عن بعض الأصوات السياسية والإعلامية في المروك، تتحدث عن “حقوق مدنية” مزعومة تجاه الجزائر، استغراب متابعين قانونيين، باعتبار أن هذا المفهوم لا يمتّ بصلة للعلاقات بين الدول، بل يخص الأفراد داخل الدولة الواحدة. وتؤكد الوثائق الرسمية أن اتفاقية ترسيم الحدود بين الجزائر والمروك، الموقعة سنة 1972 والمنشورة في الجريدة الرسمية سنة 1973، صادق عليها البرلمان المروكي سنة 1992، ما يمنحها قوة قانونية كاملة وفق قواعد القانون الدولي.

ورغم ذلك، لا يزال بعض المسؤولين في المروك يتعاملون مع الاتفاقيات الدولية بمنطق انتقائي، متجاهلين النصوص المصادق عليها رسمياً، وهو ما يضع أي حديث عن علاقات طبيعية على المحك في ظل هذه المقاربات.

في ضوء هذه المعطيات المدعومة بالأرقام والتقارير الدولية، يتضح أن مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–الجزائر يستند إلى أسس تقنية واقتصادية وأمنية واضحة، وقابل للتجسيد في آجال معقولة، في حين يظل المشروع المروكي، وفق تقييمات خبراء الطاقة، مبادرة دعائية تفتقر إلى التمويل والجدوى. وبين مشروع يدخل مرحلة التنفيذ الفعلي، وآخر ما يزال حبيس الخطاب، تحسم الوقائع مسار الطاقة الإقليمي بعيداً عن الأوهام.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

ماذا يحدث في الإمارات؟

أجّلت السلطات التركية زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى دولة الإمارات، بعد اعتذار رئيس الدو…