تعديلات جوهرية في قانون المرور لمواجهة نزيف الطرقات
عرض وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود، يوم الخميس 15 جانفي 2026، أمام أعضاء مجلس الأمة، نص مشروع قانون المرور الذي وصفه بـ«خطوة مهمة» لتعزيز السلامة المرورية وحماية حياة المواطن، في جلسة علنية ترأسها رئيس المجلس عزوز ناصري بحضور وزيرة العلاقات مع البرلمان نجيبة جيلالي.
وقدم الوزير المشروع باعتباره استجابة لتفاقم حوادث المرور التي تحولت، وفق تعبيره، إلى واحدة من «أخطر الظواهر» ذات الآثار الجسيمة، مؤكداً أن النص يستهدف تنظيم حركة السير بما يواكب الارتفاع المتسارع في عدد المركبات وتطور البنية التحتية، مع إعادة ضبط قواعد الردع والوقاية وتحديد المسؤوليات بشكل أوسع على امتداد سلسلة الفعل المروري من السائق إلى المراقبة التقنية وصولاً إلى قطع الغيار والتهيئة الطرقية.
ويحمل مشروع القانون، وفق ما طُرح في الجلسة، تعديلات جوهرية تتعلق بكيفيات الحصول على رخص السياقة، إذ يُلزم المعني بتقديم ملف يستوفي الشروط القانونية، مع التشديد على أهلية الشخص لقيادة المركبات، في محاولة لرفع عتبة الكفاءة والحد من المخاطر المرتبطة بالتكوين غير الكافي أو اكتساب الرخص دون استيفاء شروطها. كما تضمن النص أحكاماً تُعزّز الرقابة الميدانية عبر تزويد أعوان المراقبة التابعين لأجهزة الأمن بمعدات تكنولوجية، تشمل وسائل الدفع الإلكتروني للمخالفات، وأجهزة الكشف عن تعاطي المخدرات، وأجهزة مراقبة وزن الحمولة عند نقاط المراقبة الأمنية، وهي عناصر تراهن عليها السلطات لتقليص هامش المناورة أمام المخالفات المتكررة، وتحسين فعالية الردع الفوري، وتقليل الاحتكاك الإداري التقليدي الذي غالباً ما يطيل مسار تسديد الغرامات أو متابعة المخالفات.
ومن النقاط اللافتة في المشروع إدراج جانب تجريمي مباشر يمس منظومة المراقبة التقنية، إذ ينص النص على «تجريم تسليم محاضر المراقبة التقنية أو محاضر المطابقة» إذا ثبت أنها لم تُدوَّن فيها إحدى العيوب الموجودة فعلياً في المركبة محل المعاينة، أو أنها تتضمن وقائع غير صحيحة مادياً، وهو توجه يتقاطع مع فكرة سد الثغرات التي تسمح بمرور مركبات غير مطابقة للمعايير إلى الطريق العام. وفي السياق نفسه، وسّع المشروع نطاق المسؤولية ليشمل مدارس السياقة ومؤسسات التكوين المعنية بشهادة الكفاءة المهنية، والمكلفين بالطرق وصيانتها، ومستوري وصانعي ومسوقي قطع الغيار المقلدة، بما يعني أن النص لا يحصر الخلل في “سلوك السائق” وحده، بل يحاول تحميل المسؤولية أيضاً للبيئة التنظيمية والتقنية التي قد تُنتج مخاطر متراكمة على الطريق.
وعلى مستوى التصنيف والعقوبات، صنف النص الجرائم الخاصة بقانون المرور حسب خطورتها إلى مخالفات وجنح، مع التنصيص على أحكام خاصة بالعقوبات التكميلية، مثل سحب أو إلغاء رخصة السياقة ومصادرة المركبة، وهي آليات تُقدَّم عادة على أنها أكثر تأثيراً في تعديل السلوك من الغرامة المالية وحدها، لأنها تمس مباشرة القدرة على استعمال المركبة أو الاستمرار في القيادة. وفي المقابل، أظهر تقرير لجنة التجهيز والتنمية المحلية بمجلس الأمة — في عرضه التمهيدي — أن النقاش لا يتعلق فقط بما ورد في النص، بل أيضاً بشروط إعداده ونجاعة تطبيقه؛ إذ سجلت اللجنة انشغالاً مرتبطاً بغياب تهيئة الظروف الملائمة قبل المبادرة بمشروع القانون، ومدى إشراك الفاعلين المعنيين بقطاع النقل قبل إعداده، كما تساءل أعضاؤها عن سبب عدم اعتماد نظام سحب النقاط من رخصة السياقة بدل الغرامات المرتفعة، وطرحوا قضايا مرتبطة بوضعية الطرقات وانتشار الممهلات العشوائية، داعين إلى تشجيع الدراسات حول السلامة المرورية، وتعميم الوسائل التكنولوجية الحديثة كالردارات الذكية وأنظمة المراقبة الرقمية لتحسين تدفق حركة المرور وتقليص مخاطر الطريق.
ويأتي هذا المسار التشريعي في ظرف تدعمه مؤشرات رقمية ثقيلة تكشف حجم الضغط الذي تمثله حوادث المرور في الجزائر. فوفق ما صرحت به المكلفة بالإعلام في المندوبية الوطنية للأمن عبر الطرقات، فاطمة خلاف، عبر الإذاعة الجزائرية، سُجل خلال سنة 2024 ما مجموعه 26.272 حادث مرور عبر مختلف ولايات الوطن، خلّفت أكثر من 3.740 وفاة وأكثر من 35.556 جريحاً، مع تسجيل ارتفاع في جميع المؤشرات مقارنة بعام 2023: زيادة بـ15,06% في عدد الحوادث، وزيادة بـ3% في عدد الوفيات، وزيادة بـ4% في عدد الجرحى. وهذه الأرقام، التي تُقدَّم كحصيلة سنوية مرجعية، تضع مشروع القانون في سياق “استعجال واقعي” أكثر من كونه مجرد تحديث قانوني شكلي، لأنها تعكس حجم النزيف البشري والعبء الاجتماعي والاقتصادي الناتج عن الحوادث.
والأهم في هذه الخلفية الرقمية ليس عدد الحوادث فحسب، بل توزيع أسبابها كما يظهر في المعطيات نفسها. فقد أكدت فاطمة خلاف أن العامل البشري يبقى الأكثر تأثيراً بنسبة 96,36% من الحوادث، مقابل 2,6% لعامل المركبة، و1,57% لحالة الطرقات. وهذا التوزيع، الذي يمنح السلوكيات البشرية الوزن الأكبر في تفسير الظاهرة، يفسر لماذا ركز مشروع القانون على شروط الرخصة، وعلى توسيع أدوات الرقابة والتجريم، وعلى إدخال تجهيزات الكشف عن المخدرات والرقمنة، باعتبارها أدوات تستهدف مباشرة سلوك السائق ومظاهر الانضباط على الطريق. وفي تفصيل إضافي، أوضحت المتحدثة نفسها أن الدراسات تشير إلى أن المسؤولية الرئيسية تقع على سلوكيات مستعملي الطريق، سواء كانوا سائقين أو مشاة، مع أمثلة لسلوكيات متكررة مثل تجاوز السرعة المحددة، وعدم الالتزام بالاتجاهات المقررة، وتجاوز الخطوط المتواصلة.
وتقدم معطيات رمضان 2024 مثالاً رقمياً مكثفاً عن تفاقم المخاطر حتى في الفترات التي يُفترض أنها أقل حركة. فقد تم خلال رمضان 2024 تسجيل 323 حالة وفاة و2.800 جريح، بمعدل يومي يقارب 10 وفيات و90 إلى 100 جريح. وذكرت الإذاعة الجزائرية أن من أبرز المخالفات المسجلة خلال هذه الفترة: الإفراط في السرعة، والتجاوزات الخطيرة، وفقدان التحكم في المركبات نتيجة السرعة الزائدة، مع الإشارة إلى تورط المشاة كمؤشر مقلق. هذه التفاصيل تشرح لماذا تذهب بعض المقترحات البرلمانية إلى المطالبة بتعميم الردارات الذكية وأنظمة المراقبة الرقمية، لأنها تستهدف أكثر المخالفات تكراراً وتأثيراً في الحصيلة البشرية.
وعلى مستوى الضغط البنيوي، تشير المعطيات نفسها إلى أن عدد المركبات في الجزائر تجاوز 9 ملايين مركبة، وأن ثلث المتورطين في الحوادث هم من حاملي رخص سياقة لأقل من 5 سنوات، وهو ما يفتح النقاش حول جودة التكوين الأولي، ومرافقة السائقين الجدد، وفعالية امتحانات الرخصة، وهي محاور تتقاطع مباشرة مع التعديلات المقترحة حول كيفية الحصول على رخص السياقة وتشديد شرط الأهلية.
وإذا كانت حصيلة 2024 توضح الاتجاه العام، فإن أرقام 2025 تضيف بعداً زمنياً أكثر راهنية في خلفية النص المعروض على البرلمان. فقد نقلت “الإذاعة الجزائرية” حصيلة رسمية إلى غاية 30 نوفمبر 2025 تفيد بتسجيل 25.538 حادثاً جسمانياً على الطرقات، خلفت 34.953 جريحاً و3.571 وفاة، مع زيادات مقارنة بالفترة السابقة قدرت بـ2,86% للحوادث، و4,22% للجرحى، و1,95% للوفيات. وهذه الأرقام، لأنها تخص 11 شهراً فقط، توحي بأن السنة كانت مرشحة لمستويات خسائر مرتفعة إذا استمرت الوتيرة نفسها، وهو ما يعزز مبررات التشديد التشريعي والانتقال إلى أدوات رقابية أكثر “آنية” و”رقمية” بدل الاعتماد على الردع التقليدي وحده.
وتزداد الصورة وضوحاً عند النظر إلى ذروة الصيف، حيث أعلنت المديرية العامة للحماية المدنية أنه خلال موسم الاصطياف 2025 تم إحصاء 700 وفاة وإصابة ما يفوق 34 ألف شخص في حوادث المرور. ورغم أن هذه الحصيلة تخص فترة موسمية محددة وليست السنة كاملة، فإنها تبرز طبيعة “الضغط الدوري” على منظومة السلامة المرورية في فترات الذروة، وتدعم مرافعات تشديد الرقابة الميدانية واعتماد وسائل قياس ومراقبة حديثة، خصوصاً مع ارتفاع التنقلات بين الولايات وتزايد حركة المرور على المحاور الكبرى.
ومن زاوية الأسباب السلوكية الأكثر شيوعاً داخل “العامل البشري”، تتكرر في التغطيات الرسمية والإعلامية المتخصصة مؤشرات محددة، على رأسها الإفراط في السرعة والتجاوزات الخطيرة وفقدان التحكم، وهي عناصر تظهر في معطيات رمضان 2024 كما سبقت الإشارة، وتؤكدها كذلك تقارير صحفية تستند إلى معطيات السلامة المرورية على المستوى الوطني. وفي المقابل، يبقى “عامل المركبة” و”عامل الطريق” أقل وزناً في التوزيع النسبي العام، لكن أثرهما قد يكون حاسماً في الحوادث الجماعية أو الحوادث ذات العواقب الثقيلة، ما يفسر إدراج النص لمسؤوليات مرتبطة بالمراقبة التقنية وقطع الغيار، وللمكلفين بالطرق وصيانتها، باعتبارها نقاطاً تتعلق بالسلامة الهيكلية وليس فقط السلوك.
وبينما يواصل مجلس الأمة دراسة مشروع القانون على ضوء هذه المعطيات، يتجه النقاش إلى سؤال عملي، كيف تُترجم النصوص إلى نتائج؟ فالمعادلة لا تقف عند إصدار تشريعات أشد، بل تتطلب شروطاً مرافقة، تهيئة محيط تطبيقي فعّال، ضبط جودة التكوين في مدارس السياقة، تعميم الرقمنة في المخالفات والمراقبة، تحسين سلامة الطرقات وإزالة الممهلات العشوائية، وتعزيز البحث والدراسات حول السلامة المرورية، وهي نقاط حضرت بالفعل ضمن انشغالات لجنة التجهيز والتنمية المحلية. وفي هذا الإطار، تبدو الفلسفة العامة للمشروع وكأنها تحاول الانتقال من مجرد “عقوبة بعد الخطأ” إلى “منظومة ردع ووقاية” تعتمد على التكنولوجيا والمسؤوليات المتعددة وتضييق منافذ الغش في المراقبة التقنية.
لا يُقرأ مشروع قانون المرور المعروض على مجلس الأمة كإجراء معزول، بل كجزء من محاولة أوسع لإعادة تنظيم المجال المروري أمام حصائل سنوية ثقيلة وأسباب تتركز أساساً في السلوك البشري بنسبة تتجاوز 96% وفق الأرقام الرسمية. وبين تعهدات الحكومة بتحديث الرقابة وتوسيع نطاق المسؤولية، وتساؤلات اللجنة حول شروط الإعداد وآليات التطبيق واختيار أدوات الردع الأنسب، سيظل معيار الحكم على النص مرتبطاً بقدرته على تحويل هذه الخلفية الرقمية إلى انخفاض ملموس في الوفيات والإصابات، وليس فقط إلى مواد قانونية أكثر صرامة على الورق.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
تسهيلات جديدة للجزائريين المولودين بالخارج
أعلنت وزارتا الشؤون الخارجية والداخلية والجماعات المحلية، في بيان مشترك صدر هذا الخميس، عن…






