‫الرئيسية‬ الأولى صحافة تتلقى الإشهار… وصحافيون بلا أجور
الأولى - الحدث - الوطني - ‫‫‫‏‫24 ساعة مضت‬

صحافة تتلقى الإشهار… وصحافيون بلا أجور

صحافة تتلقى الإشهار… وصحافيون بلا أجور
يشكل الإعلام في الجزائر جزءاً من ذاكرة الدولة قبل أن يكون مجرد قطاع اقتصادي أو نشاط مهني. فمنذ الفاتح من نوفمبر 1954، حين أطلقت جبهة التحرير الوطني شرارة الكفاح المسلح ضد الاستعمار، أدركت القيادة الثورية أن معركة الكلمة لا تقل أهمية عن معركة السلاح. وكان بيان أول نوفمبر نفسه، الذي وُزّع ليلة اندلاع الثورة باللغتين العربية والفرنسية، أول رسالة إعلامية موجهة إلى الشعب الجزائري وإلى الرأي العام الدولي، إذ رسم بوضوح أهداف الثورة ومحدداتها السياسية.

ثم جاءت جريدة “المقاومة الجزائرية” في 22 أكتوبر 1955، وهو التاريخ الذي أصبح لاحقاً اليوم الوطني للصحافة، لتؤسس لتقليد صحفي مهني في خضم حرب التحرير. وفي سنة 1956، أنشأت جبهة التحرير الوطني جريدة “المجاهد” لتكون لسانها الرسمي، بقيادة المناضل عبان رمضان ثم أحمد بومنجل، وقد لعبت دوراً محورياً في نقل حقيقة الثورة إلى الداخل والخارج وفي تفنيد الرواية الاستعمارية التي حاولت اختزال الكفاح الجزائري في مجرد اضطرابات أمنية.

وإلى جانب الصحافة المكتوبة، أنشأت الثورة إذاعة “الجزائر الحرة المكافحة” التي بثت من القاهرة في مرحلة أولى، وكانت تفتتح برامجها بعبارتها المعروفة: “هنا صوت الجزائر الحرة المكافحة، صوت جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني يخاطبكم.” وقد شكلت هذه الإذاعة أحد أهم أدوات الثورة في كسر الحصار الإعلامي الذي حاول الاستعمار فرضه على القضية الجزائرية.

وعندما استرجعت الجزائر استقلالها في الخامس من جويلية 1962، ورثت الدولة الوطنية منظومة إعلامية استعمارية كاملة فسارعت إلى تأميمها وبناء إعلام وطني يعكس سيادة الدولة ويخدم مشروع بناء الأمة. وفي هذا السياق، صدر العدد الأول من صحيفة “الشعب” باللغة العربية في 11 ديسمبر 1962، وهو تاريخ يحمل دلالة رمزية مرتبطة بانتفاضة 11 ديسمبر 1960 التي شكلت منعطفاً مهماً في مسار الكفاح التحرري.

وقد كرّس دستور 1963، أول دستور للجزائر المستقلة، حرية الصحافة في مادته التاسعة عشرة. وفي تلك المرحلة، لعب الإعلام الوطني دوراً مهماً في دعم مشروع بناء الدولة وترسيخ الوحدة الوطنية، وهو ما انعكس في قانون الإعلام الصادر سنة 1982 الذي نظم النشاط الصحفي في سياق سياسي واقتصادي مختلف عن السياق الحالي.

غير أن التحولات التي عرفها المجتمع الجزائري في نهاية الثمانينيات فتحت مرحلة جديدة في تاريخ الإعلام. فقد جاءت أحداث أكتوبر 1988 لتؤدي إلى دستور 1989 الذي أقر التعددية السياسية والإعلامية، تلاه قانون الإعلام لسنة 1990 الذي سمح بظهور الصحافة الخاصة وتعدد العناوين الإعلامية، وهو ما عكس إدراكاً رسمياً بضرورة مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع الجزائري.

غير أن هذا المسار الإعلامي الصاعد واجه أخطر اختبار في بداية التسعينيات عندما تحولت الجماعات الإرهابية إلى استهداف الصحافيين في إطار استراتيجية هدفت إلى إسكات الكلمة الحرة. فقد اغتيل الكاتب والصحافي الطاهر جاووت سنة 1993، وهو أحد أبرز المثقفين الجزائريين الذين جمعوا بين الأدب والصحافة. كما اغتيل الصحافي فرحات شركيت من جريدة “المجاهد” سنة 1994، وتلاه عدد من الصحافيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لتمسكهم بالحقيقة، من بينهم جمال زعيتر وناصر واري من التلفزيون الجزائري، وإسماعيل يفصح وحميد محيوت من جريدة “ليبرتي”.

وقد شكلت تلك الاغتيالات محاولة لإرهاب الصحافة الجزائرية وإسكات الأصوات التي كشفت للرأي العام الوطني والدولي حقيقة الإرهاب وجرائمه. غير أن الصحافيين الجزائريين واصلوا أداء مهنتهم في ظروف بالغة الصعوبة، مدعومين بموقف الدولة التي لم تتخل عن الإعلام الوطني في تلك المرحلة الحساسة.

ومع عودة الاستقرار عبر مسار المصالحة الوطنية، دخل القطاع الإعلامي مرحلة جديدة من إعادة التنظيم والتطوير. فقد صدر قانون الإعلام سنة 2012 الذي فتح المجال أمام القنوات التلفزيونية الخاصة، ثم جاء القانون العضوي للإعلام رقم 23-14 الصادر في أغسطس 2023 ليشكل الإطار التشريعي الأكثر شمولاً لتنظيم القطاع منذ الاستقلال، إذ كرس حرية الصحافة وحماية الصحافي وأنشأ سلطة ضبط مستقلة مالياً.

ومن خلال هذه المسيرة التاريخية الممتدة من إعلام الحركة الوطنية والإصلاح قبل الثورة، إلى صحافة الثورة أثناء حرب التحرير، ثم صحافة البناء بعد الاستقلال، وصولاً إلى صحافة المواجهة خلال سنوات الإرهاب، يتضح أن الإعلام في الجزائر لم يكن يوماً مجرد ناقل للأخبار، بل كان شريكاً في صناعة التاريخ وأحد أدوات الدفاع عن الدولة والمجتمع.

واليوم، يجد الإعلام الجزائري نفسه أمام تحدٍ وطني لا يقل أهمية عن المحطات السابقة التي مر بها. فالجزائر تواجه في السنوات الأخيرة موجات متزايدة من الحملات الإعلامية الموجهة التي تستهدف صورتها ومواقفها السيادية في فضاء دولي تتشابك فيه المصالح وتتعدد أدوات التأثير الإعلامي والرقمي. وفي هذا السياق، لم يعد الإعلام الوطني مجرد قطاع ينتج المحتوى ويُوزع المعلومة، بل أصبح أحد خطوط الدفاع الأولى عن صورة البلاد ومصالحها.

غير أن الإعلام القادر على مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن يكون إعلاماً هشاً من الداخل. فالصحافي الذي يعيش في حالة عدم استقرار مهني أو اجتماعي يصعب عليه أن يؤدي دوره الكامل في الدفاع عن بلاده في الفضاء الإعلامي الوطني والدولي.

وفي هذا السياق، جاءت دخلة المنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين لتعيد طرح القضية من زاوية مهنية واجتماعية. ففي بيان صدر في 7 مارس 2026، دقت المنظمة ناقوس الخطر بشأن الأوضاع المهنية لعدد من الصحافيين العاملين في مؤسسات إعلامية تستفيد من الإشهار العمومي، لكنها لا تلتزم في المقابل بصرف الأجور في آجالها القانونية أو بتوفير التغطية الاجتماعية والتأمين المهني للعاملين لديها.

وأشار البيان إلى تسجيل حالات تتعلق بإنهاء علاقات العمل دون احترام الإجراءات القانونية، بما في ذلك حالات طرد خلال فترات العطلة المرضية، في تجاوز واضح لأحكام قانون العمل والقانون العضوي للإعلام اللذين يلزمان المؤسسات الإعلامية باحترام حقوق العاملين وتوفير بيئة عمل لائقة.

وتزداد حساسية هذه الوضعية خلال المناسبات الاجتماعية الكبرى مثل شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، حيث ترتفع الالتزامات المالية للعائلات ويجد الصحافي نفسه في مواجهة تأخر راتبه أو غياب الضمان الاجتماعي.

وفي الأوساط الإعلامية والمهنية، يتردد كثير من الحديث عن مفارقة باتت تثير تساؤلات متزايدة، مؤسسات إعلامية تستفيد من الإشهار العمومي، لكنها في الوقت نفسه تعجز عن ضمان الحد الأدنى من الاستقرار المهني والاجتماعي للصحافيين العاملين فيها.

وهنا يبرز دور المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار (ANEP) التي تضطلع بتسيير الإشهار العمومي وتوجيهه نحو المؤسسات الإعلامية وفق آليات تنظيمية محددة. وقد وسعت الدولة نطاق هذا الدعم في ماي 2023 عندما قرر مجلس الوزراء إدراج الصحافة الإلكترونية المعتمدة ضمن آليات الإشهار العمومي للصفقات العمومية، في خطوة تعكس إدراك الدولة للتحولات الرقمية التي يعرفها القطاع الإعلامي.

غير أن هذا التوسع في دائرة المستفيدين يطرح سؤالاً مهنياً أساسياً يتردد اليوم داخل الوسط الإعلامي، هل تقابل الاستفادة من المال العام التزامات واضحة تجاه الصحافيين والمؤسسات؟

وفي هذا السياق، تدعو المنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين إلى ربط الاستفادة من الإشهار العمومي بمدى احترام المؤسسات الإعلامية لحقوق الصحافيين والعاملين لديها، وهو توجه ينسجم مع روح القانون العضوي للإعلام الذي ينص على ضرورة التزام المؤسسات المستفيدة من التمويل العمومي بضوابط واضحة.

ويمكن ترجمة هذا التوجه عملياً عبر إقرار آلية تنظيمية تلزم المؤسسات الإعلامية المستفيدة من الإشهار العمومي بتقديم تقارير دورية تعكس كيفية تسيير الموارد المالية المتأتية من المال العام. ويقوم هذا النظام على إعداد تقرير محاسبي سنوي يوضح الوضعية المالية العامة للمؤسسة وفق القواعد المحاسبية المعمول بها، بما يسمح بتقييم توازنها المالي وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين فيها.

كما يشمل هذا الإجراء إعداد تقرير مالي تفصيلي يوضح كيفية استخدام الموارد المتأتية من الإشهار العمومي وتحديد أوجه صرفها داخل المؤسسة الإعلامية، بما يضمن الشفافية في تسيير الأموال العمومية ويوفر صورة واضحة حول مدى توجيهها نحو دعم النشاط الإعلامي الفعلي.

إلى جانب ذلك، يقترح إعداد تقرير تنموي سنوي يبيّن أثر هذه الموارد على تطوير المؤسسة الإعلامية، سواء من خلال الاستثمار في الإنتاج الصحفي، أو تحديث المنصات الرقمية، أو دعم برامج التكوين المستمر للصحافيين والعاملين في القطاع. ومن شأن هذا التقرير أن يسمح بتقييم مدى مساهمة الإشهار العمومي في تعزيز الاحترافية الإعلامية وتطوير أدوات العمل الصحفي بما يتماشى مع التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي.

إن الإعلام الوطني الذي انطلق من بيان أول نوفمبر وواكب مسيرة التحرير وبناء الدولة، ثم واجه الإرهاب خلال التسعينيات، مدعو اليوم إلى استعادة مكانته ودوره التاريخي كشريك للدولة والمجتمع في الدفاع عن الجزائر ومصالحها.

غير أن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار منظومة إعلامية متوازنة تحترم فيها المؤسسات الإعلامية حقوق الصحافيين، ويقابل فيها دعم الدولة التزام مهني وأخلاقي واضح.

فالدولة التي دعمت الإعلام الوطني عبر مختلف المراحل التاريخية تستحق أن تجد في المؤسسات الإعلامية التي تستفيد من هذا الدعم شريكاً حقيقياً في بناء إعلام مهني مسؤول، يحترم حقوق الصحافيين ويعزز مكانة الجزائر في الساحة الإعلامية الدولية.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

العدد 88 من يوميـــــة “المؤشر” 15|03|2026