‫الرئيسية‬ الأولى التعمير في الجزائر 2026: تعقيد إداري وقوانين متراكمة… وإصلاحات ممكنة
الأولى - رأي - مقالات - 07/03/2026

التعمير في الجزائر 2026: تعقيد إداري وقوانين متراكمة… وإصلاحات ممكنة

التعمير في الجزائر 2026: تعقيد إداري وقوانين متراكمة… وإصلاحات ممكنة
يكشف دليل «الاستثمار في الجزائر 2026» الصادر عن شركة الاستشارات الدولية KPMG أن منظومة التعمير في الجزائر تواجه جملة من التحديات الهيكلية التي تؤثر بشكل مباشر في مناخ الاستثمار العقاري والصناعي. ويشير التقرير إلى أن الإشكال لا يرتبط بغياب النصوص القانونية، بل على العكس بتراكمها وتداخلها، إلى جانب تعقيد الإجراءات الإدارية وتعدد الجهات المتدخلة في مسار إصدار التراخيص العمرانية. غير أن قراءة هذه المعطيات تبرز في الوقت نفسه أن كثيرًا من هذه الصعوبات يمكن تجاوزها عبر إصلاحات تنظيمية وتقنية محددة تعيد للنظام العمراني وضوحه وفعاليته.

فالجزائر، التي يناهز عدد سكانها 46 مليون نسمة وتشهد توسعًا حضريًا سريعًا خلال العقود الأخيرة، تمتلك سوقًا عمرانية واسعة وطلبًا متزايدًا على السكن والبنية التحتية. كما أن ارتفاع الناتج الداخلي الإجمالي وتزايد المشاريع الاقتصادية يفترض أن يجعلا قطاع البناء والتعمير أحد المحركات الرئيسية للنمو. غير أن الواقع العملي يظهر أن الحصول على رخصة البناء لا يزال في كثير من الحالات مسارًا إداريًا معقدًا وطويلًا، ما يضع المستثمرين أمام سلسلة من الإجراءات التي قد تمتد لعدة أشهر.

ويبرز التقرير أحد أبرز أسباب هذا التعقيد في تعدد الجهات المخولة بمنح رخص البناء. فالقانون يحدد رئيس المجلس الشعبي البلدي كسلطة أساسية لإصدار الرخص، غير أن نصوصًا أخرى تمنح الصلاحية نفسها لوالي الولاية أو للوزارة الوصية في حالات معينة. هذا التداخل في الصلاحيات يخلق حالة من الضبابية الإدارية، حيث يجد المستثمر نفسه أمام ثلاث سلطات محتملة دون معايير واضحة تحدد بدقة متى تنتقل صلاحية القرار من مستوى إداري إلى آخر.

هذا الغموض يفتح الباب أمام ما يعرف إداريًا بظاهرة تبادل الملفات بين المصالح، حيث يتم تحويل الطلبات من جهة إلى أخرى بدافع الاحتياط الإداري أو بسبب عدم وضوح الاختصاص. وفي كثير من الحالات، تتحول هذه العملية إلى سلسلة من الإحالات البيروقراطية التي تؤخر اتخاذ القرار. مثل هذا الوضع يبرز الحاجة إلى آلية واضحة تحدد بشكل تلقائي الجهة المختصة، بحيث يتمكن صاحب المشروع من معرفة السلطة المعنية مباشرة وفق معايير محددة مثل طبيعة المشروع أو مساحته أو قيمته الاستثمارية.

إلى جانب مسألة الصلاحيات، يلفت التقرير الانتباه إلى إشكال آخر يتعلق بآجال دراسة الملفات. فالتشريع الجزائري يحدد بدقة الآجال التي يتعين على المواطن أو المستثمر احترامها في مختلف مراحل الإجراءات، غير أن النصوص لا تتضمن آليات واضحة تلزم الإدارة بالرد ضمن مدة محددة أو تحدد نتائج قانونية في حال تجاوز تلك المدة. هذه المفارقة تخلق نوعًا من عدم التوازن في العلاقة بين الإدارة وصاحب المشروع، حيث يصبح المستثمر ملزمًا بآجال صارمة بينما يمكن أن يمتد انتظار الرد الإداري لفترة غير محددة.

وفي العديد من التجارب الإدارية المقارنة، تم اعتماد مبدأ يعرف باسم «الصمت الإداري يعني الموافقة»، حيث يعتبر عدم رد الإدارة خلال مدة قانونية محددة بمثابة موافقة ضمنية على الطلب. مثل هذا المبدأ، إذا تم إدخاله ضمن إجراءات رخص البناء مع تحديد أجل قانوني واضح لدراسة الملفات، قد يسهم في تقليص مدة الإجراءات وإعطاء المستثمر رؤية زمنية أكثر وضوحًا لمشاريعه.

كما يشير التقرير إلى أن الإطار القانوني للتعمير في الجزائر تراكم عبر أكثر من ثلاثين سنة دون أن يتم جمعه في مدونة تشريعية واحدة. فقد صدر القانون الأساسي للتهيئة والتعمير سنة 1990، قبل أن يخضع لسلسلة من التعديلات عبر قوانين ومراسيم لاحقة في سنوات 2004 و2008 و2015 وصولًا إلى الإصلاحات التشريعية الأخيرة في 2023. هذا التراكم أدى إلى نشوء منظومة قانونية تعتمد في كثير من الأحيان على تعديلات جزئية للنصوص السابقة، ما يجعل فهم القواعد العمرانية يتطلب الرجوع إلى شبكة من النصوص المتداخلة.

بالنسبة للمستثمرين، يمثل هذا الوضع عائقًا حقيقيًا، لأن تقييم البيئة القانونية لأي مشروع عمراني يصبح أكثر تعقيدًا في ظل تعدد النصوص وتداخلها. لذلك تبرز أهمية التفكير في مدونة موحدة للتعمير والتهيئة العمرانية تجمع مختلف النصوص القانونية والتنظيمية في إطار واحد واضح، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول المتوسطية التي قامت خلال السنوات الأخيرة بتحديث منظوماتها العمرانية.

ومن بين النقاط التي يسلط التقرير الضوء عليها أيضًا ظاهرة البناء بدون ترخيص، التي أصبحت جزءًا من المشهد العمراني في عدد من المناطق. فالقانون يسمح في بعض الحالات بتسوية البناء غير المطابق مقابل دفع غرامة قد تصل إلى نصف قيمة العقار، وهو ما يعكس اعترافًا ضمنيًا بوجود حجم معتبر من البناء غير الرسمي. وفي المقابل، شددت الإصلاحات التشريعية الأخيرة العقوبات على التعدي على الأراضي العمومية، حيث قد تصل العقوبات إلى السجن لمدة تصل إلى خمس عشرة سنة.

غير أن التجارب الدولية تظهر أن الردع القانوني وحده لا يكفي لمعالجة هذه الظاهرة إذا بقي المسار القانوني للبناء معقدًا وبطيئًا. لذلك تبدو الحاجة قائمة إلى إجراءات تسمح بتبسيط المسار الإداري للمشاريع الصغيرة، مثل اعتماد مسار سريع لدراسة طلبات البناء محدودة المساحة عبر ملفات مبسطة وإجراءات رقمية مختصرة.

كما يتطرق التقرير إلى التحديات التي تواجهها البلديات الجزائرية في إدارة ملفات التعمير، خاصة في المناطق الريفية وشبه الحضرية، حيث تعاني العديد من البلديات من نقص في المهندسين المعماريين والتقنيين المختصين في التخطيط العمراني. هذا النقص في الكفاءات يؤدي إلى بطء دراسة الملفات وإلى تفاوت واضح في تطبيق القوانين من ولاية إلى أخرى.

ورغم إطلاق النظام الوطني لأعمال التعمير سنة 2009 بهدف رقمنة الإجراءات، فإن تطبيقه لا يزال غير متجانس عبر مختلف المناطق. وتظهر التجربة أن الرقمنة لا تحقق نتائجها المرجوة إذا لم ترافقها عملية تأهيل للموارد البشرية داخل البلديات وتوفير الأدوات التقنية اللازمة لمعالجة الملفات.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو مسألة تحديث منظومة التعمير في الجزائر مرتبطة أساسًا بإعادة تنظيم الإجراءات وتبسيط الإطار القانوني وتعزيز الرقمنة الإدارية. وإذا نجحت هذه الإصلاحات في تحقيق قدر أكبر من الوضوح والسرعة في معالجة الملفات، فإن قطاع التعمير يمكن أن يتحول من مصدر تعقيد بيروقراطي إلى أحد أهم محركات الاستثمار والتنمية الاقتصادية في البلاد، بما يتماشى مع الطموحات التي تسعى الجزائر إلى تحقيقها خلال السنوات المقبلة.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

قطاع المناجم: ثروة نائمة… آن أوان استغلالها

صادق البرلمان الجزائري على القانون الجديد المتعلق بالمناجم، والذي يُعدّ من أبرز النصوص الت…