الانزلاق التونسي الخطير
أثار بث قناة تونسية عمومية خريطة لدول شمال إفريقيا، ظهرت فيها أجزاء من الأراضي الجزائرية ضمن الحدود المغربية، جدلًا واسعًا ومشروعًا، قبل أن تقدم مؤسسة التلفزة التونسية اعتذارًا، معتبرة ما حدث خطأً غير مقصود نتج عن استعمال خريطة جرى تحميلها من شبكة الإنترنت من دون التثبت الكافي من محتواها.
لكن الاعتذار، مهما كانت أهميته، لا يُنهي النقاش ولا يلغي خطورة ما حدث. فالخرائط ليست مجرد صور توضيحية محايدة، والحدود ليست تفاصيل تقنية يمكن التعامل معها بخفة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقناة عمومية يفترض أنها تخضع لمستويات عالية من الرقابة التحريرية والتقنية.
ومن واقع تجربتي الطويلة في العمل التلفزيوني، يصعب تقبل فكرة مرور مادة بهذه الحساسية من دون أن ينتبه إليها أي مسؤول تحرير أو تقني أو مشرف على البرنامج. قد لا تتوافر، إلى حد الآن، أدلة علنية تسمح بالجزم بأن البث كان متعمدًا، لكن الواقعة تطرح أسئلة مهنية وسياسية مشروعة حول طبيعة الرقابة داخل القناة، وحول المسؤولية المترتبة على بث خريطة تمس الحدود المعترف بها لدولة جارة.
فما تبثه وسيلة إعلام عمومية لا يُستقبل دائمًا بوصفه مادة عابرة، بل قد يُقرأ سياسيًا، حتى عندما تؤكد المؤسسة أن ما حدث لا يعبر عن موقف رسمي للدولة. ولهذا تتحمل القنوات العمومية مسؤولية مضاعفة في كل ما يتعلق بالخرائط والحدود والسيادة والتاريخ.
ولا أزال أتذكر كيف يمكن لمادة وثائقية تبثها قناة رسمية أن تتحول إلى قضية سياسية. فقد سبق للتلفزيون الجزائري أن بث عملًا وثائقيًا للمخرج الراحل عز الدين مدور تناول التجارب النووية الفرنسية في منطقة رقان، وعرض صورًا ومواد أرشيفية قُدمت في سياق الحديث عن تعريض جزائريين أحياء لآثار تلك التجارب. ومع أن تفاصيل ذلك الملف لا تزال مرتبطة بضرورة فتح الأرشيف الفرنسي كاملًا، فإن الواقعة أظهرت أن المواد التي تبثها القنوات الرسمية لا تُفصل بسهولة عن السياق السياسي والدبلوماسي الذي تتحرك فيه.
لذلك، فإن وصف ما حدث في التلفزيون التونسي بأنه مجرد خطأ تقني لا يبدو كافيًا. حتى لو افترضنا غياب القصد السياسي، فإننا نكون أمام خطأ مهني جسيم يتعلق بسيادة دولة وحدودها، ويستوجب أكثر من اعتذار عام. كان يفترض الإعلان عن كيفية وقوع الخطأ، والجهة التي اختارت الخريطة، والمسؤوليات التحريرية والتقنية، والإجراءات التي اتُخذت لمنع تكراره.
سنة 1994، عندما وصلت إلى بروكسل، عاينت شخصيًا كيف كان بعض الصحفيين التونسيين والعرب يتعاملون مع الجزائر. لا يتعلق الأمر هنا بكل الصحفيين التونسيين أو العرب، وإنما بأشخاص محددين جعلوا من مهاجمة الجزائر وتشويه صورتها نشاطًا دائمًا. قال لي أحدهم، من دون مواربة، إن الجزائر بلد كبير ويجب تقسيمه. وهي عبارة لم أنسها ولن أنساها، لأنها لم تكن مجرد رأي صحفي عابر، بل تعبيرًا صريحًا عن نزعة عدائية تجاه وحدة الجزائر وسلامة أراضيها. كما عاينت حالات نُسبت فيها تصريحات إلى مسؤولين أوروبيين لم يدلوا بها، ثم نُشرت في بعض الصحف العربية باعتبارها مواقف رسمية للاتحاد الأوروبي ضد الجزائر.
وقد تدخلت شخصيًا، في أكثر من مناسبة، لتنبيه مسؤولين في المفوضية الأوروبية إلى أن مواقفهم وتصريحاتهم يجري تحريفها عند نقلها إلى الإعلام العربي، وأن بعض العبارات والمواقف المنسوبة إليهم لم تصدر عنهم بالشكل المنشور. ولا أنسى كذلك جمعية نسوية تونسية جاءت إلى بروكسل تطلب الدعم تحت اسم جمعية «الكاهنة». وقد قلت آنذاك للسفير التونسي إن الكاهنة شخصية تاريخية ارتبطت أساسًا بالأوراس والمغرب الأوسط، وإن تونس تملك بدورها شخصيات نسائية تاريخية كثيرة يمكن تسمية جمعياتها بأسمائهن، بدل الدخول في نزاعات رمزية حول شخصيات تاريخية تنتمي إلى فضاء مغاربي سابق لظهور الحدود الوطنية الحديثة.
والحديث يطول عن تلك المرحلة التي واجهت فيها الجزائر حملات إعلامية وسياسية داخل بعض الأوساط الأوروبية. وخلال فترة المفاوضات المتعلقة باتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وأثناء مناقشة ملف حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي، أتذكر أن سفيرًا جزائريًا سابقًا واجه صحفيًا تونسيًا بعبارات شديدة، متهمًا إياه بنشر أكاذيب أجبرت السفارة على تخصيص وقت طويل للرد عليها رسميًا.
هذه الوقائع أوردها بوصفها شهادة شخصية عشتها أو عاينتها، وليس بوصفها اتهامًا جماعيًا للشعب التونسي أو للصحافة التونسية كلها. لكن استحضارها ضروري لفهم الحساسية التي تثيرها اليوم حادثة الخريطة، ولماذا لا يستطيع البعض التعامل معها باعتبارها مجرد سهو عابر.
تضم الأرشيفات الأوروبية خرائط بريطانية وهولندية وفرنسية قديمة تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتُظهر الجزائر وتونس والمغرب باعتبارها كيانات سياسية وجغرافية منفصلة قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر. ومن بين الخرائط المتداولة خرائط بريطانية تعود إلى بداية القرن التاسع عشر، وأخرى هولندية تعود إلى السنوات الأولى من القرن نفسه. وهي وثائق مهمة لفهم التصورات الجغرافية والسياسية السائدة في أوروبا آنذاك.
لكن التعامل العلمي مع هذه الخرائط يقتضي الحذر. فهي لا تكفي وحدها لحسم كل تفاصيل السيادة والحدود بالمفهوم القانوني الحديث، ولا بد من مقارنتها بالمعاهدات والمراسلات والسجلات الإدارية والوقائع التاريخية المعاصرة لها. غير أن وجود هذه الخرائط يثبت، على الأقل، أن الجزائر لم تكن فضاءً بلا هوية أو حدود أو كيان سياسي قبل الاحتلال الفرنسي، كما تحاول بعض السرديات المعاصرة الإيحاء به. والمشكلة لا تكمن في البحث التاريخي أو في مناقشة الحدود القديمة، بل في استعمال خرائط انتقائية أو مزورة لخدمة نزعات توسعية معاصرة، أو لإعادة تشكيل الوعي الجماعي وفق تصورات سياسية لا علاقة لها بالحقائق التاريخية والقانونية.
إن حادثة الخريطة التونسية لا تكفي وحدها لإثبات وجود مخطط منظم ضد الجزائر، ولا توجد، إلى الآن، معطيات علنية تسمح بربطها مباشرة بخطة سياسية إقليمية أو دولية محددة. لكنها تأتي في سياق إقليمي تتكاثر فيه محاولات إعادة كتابة التاريخ، والتشكيك في الحدود، واستعمال الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي للتأثير في الرأي العام وإثارة الانقسامات.
كما تتزامن مع عودة بعض الخطابات الدينية المتطرفة، وارتفاع أصوات في الخارج لا تخفي عداءها للدولة الجزائرية، ومع استمرار تهميش عدد من الأصوات الوطنية القادرة على مواجهة الحملات الإعلامية والسياسية الموجهة ضد البلاد. وقد عاشت الجزائر خلال التسعينيات تجربة قاسية مع الإرهاب الإسلاموي، دفعت ثمنها عشرات الآلاف من الأرواح، إلى جانب التهجير والخراب الاقتصادي والاجتماعي. واليوم، قد يكون تكرار التجربة نفسها بالشكل المسلح التقليدي أكثر صعوبة، بسبب خبرة المؤسسة الأمنية وتطور قدراتها وجاهزيتها. لكن ذلك لا يعني اختفاء الخطر، بل انتقاله إلى أشكال أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا.
فالحديث عن حروب الجيلين الرابع والخامس لم يعد ترفًا فكريًا. هذه الحروب لا تعتمد بالضرورة على الدبابات والجيوش، بل على تفكيك المجتمع من الداخل، وضرب الثقة بين المواطن والدولة، ونشر الأخبار الكاذبة، وتحريف التاريخ، وإثارة النزاعات الهوياتية والجهوية والدينية، وتحويل الأخطاء الاجتماعية والسياسية إلى أدوات لهدم الدولة نفسها. ورغم كثرة المحاضرات والندوات التي تنظم حول هذه الحروب، فإن تطبيق خلاصاتها في المجال السياسي والإعلامي لا يزال محدودًا. فالحملات تُدار علنًا أمام الجميع، بينما تظل الاستجابة في كثير من الأحيان ظرفية ومتأخرة، بدل أن تقوم على منظومة دائمة لليقظة والرصد والتحليل والرد.
إن التوجه الوطني الذي اتخذته السلطات الجزائرية خلال السنوات الأخيرة كان من الطبيعي أن يثير معارضة قوى خارجية ترفض استقلال القرار الجزائري، أو تنزعج من أي محاولة لإعادة بناء الدولة على أساس حماية السيادة والثروات والمصالح الوطنية. وتملك هذه القوى وسائل متعددة للضغط والتأثير، تبدأ بالإعلام ولا تنتهي عند الاقتصاد والجمعيات والمنظمات والشبكات السياسية والدينية العابرة للحدود.
ويقود الرئيس عبد المجيد تبون هذا التوجه الوطني، غير أن استمراره لا يمكن أن يعتمد على شخص الرئيس أو على مؤسسات الدولة الإدارية والأمنية وحدها. فكل مشروع وطني يحتاج إلى حاضنة سياسية وفكرية وإعلامية تتبناه، وتدافع عنه، وتشرح أهدافه للمجتمع، وتضمن استمراريته بعد تغير الأشخاص والمراحل.
ولا يبدو منطقيًا التعويل على قوى سياسية ذات مرجعيات وتنظيمات عابرة للحدود للدفاع عن مشروع يقوم أساسًا على أولوية الدولة الوطنية واستقلال قرارها. فالدفاع عن السيادة يحتاج إلى أحزاب وطنية حقيقية، ونخب مستقلة، ومراكز أبحاث، ووسائل إعلام قادرة على فهم طبيعة الصراع السياسي والإعلامي الحديث.
إن المطلوب من الجانب التونسي ليس التصعيد ولا خلق أزمة بين الشعبين الجزائري والتونسي، فالعلاقات بين البلدين أعمق من أن تختزل في خطأ إعلامي، مهما كانت خطورته.
لكن احترام هذه العلاقات يفرض التعامل الجدي مع الحادثة، وتحديد المسؤوليات، ومنع تكرارها، والتأكيد بوضوح أن الحدود الجزائرية التونسية والمغاربية المعترف بها ليست مجالًا للتلاعب الإعلامي أو للتجريب السياسي. وفي المقابل، ينبغي على الجزائر ألا تكتفي بردود الفعل الظرفية. المطلوب بناء استراتيجية وطنية دائمة للدفاع عن الذاكرة والحدود والرواية التاريخية الجزائرية، وتوفير الدعم للباحثين والمؤرخين والإعلاميين والدبلوماسيين القادرين على مواجهة التحريف والتضليل.
فالخرائط ليست رسومًا بريئة دائمًا، والذاكرة ليست شأنًا من شؤون الماضي فقط. وفي زمن الحروب الإعلامية والنفسية، قد تتحول صورة واحدة إلى أداة سياسية، وقد يصبح الخطأ غير المصحح مقدمة لسردية تتوسع وتترسخ مع مرور الزمن. ولهذا فإن أخطر ما في حادثة الخريطة ليس فقط ما ظهر على الشاشة، بل ما تكشفه من ضعف الرقابة، وسهولة تمرير سرديات تمس الحدود والسيادة، والحاجة الملحة إلى يقظة إعلامية وسياسية وتاريخية أكثر صرامة.
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
من تفكيك التاريخ إلى تدنيس الراية.. مؤشرات حرب على الوعي
من المتعارف عليه أن أحد أهم الأسرار التي تربط أي شعب ببلده، وتشكل مصدر فكره الوطني ووعيه ا…






