‫الرئيسية‬ في الواجهة رأي هل كان الخلفاء يعصون الله؟!.. سؤال يربك الخطاب السلفي
رأي - مقالات - ‫‫‫‏‫7 دقائق مضت‬

هل كان الخلفاء يعصون الله؟!.. سؤال يربك الخطاب السلفي

هل كان الخلفاء يعصون الله؟!.. سؤال يربك الخطاب السلفي
يقدّم السلفي نفسه باعتباره من أتباع “السلف الصالح”، أي المسلمين الذين عاشوا خلال القرون الثلاثة الأولى من الإسلام، ويعتبر أن تلك المرحلة تمثل النموذج الديني الصحيح الذي يجب العودة إليه. لكن المفارقة أن الخطاب السلفي المعاصر لا يستند عملياً، في كثير من الأحيان، إلى الواقع التاريخي لتلك القرون بقدر ما يعتمد على تفسيرات فقهية متأخرة، وعلى رأسها فقه ابن تيمية وبعض المرجعيات الوهابية الحديثة التي ظهرت بعد القرون الأولى بقرون طويلة.

وفي هذا السياق، تتحول قضية الموسيقى والغناء إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل الخطاب السلفي، حيث يتم تقديم تحريم الموسيقى وكأنه حقيقة دينية مطلقة لا نقاش فيها، رغم أن التاريخ الإسلامي نفسه، وخاصة خلال العصر العباسي، يقدم صورة مختلفة تماماً عن الحياة الثقافية والفنية التي عاشها المسلمون في تلك المرحلة.

فالعصر العباسي، الذي يعتبره كثير من المؤرخين من أهم مراحل ازدهار الحضارة الإسلامية، لم يكن عصر فقه وحديث فقط، بل كان أيضاً عصر علوم وفلسفة وترجمة وشعر وموسيقى وفنون. وفي بغداد، عاصمة الخلافة آنذاك، ازدهرت الحياة الثقافية بشكل غير مسبوق، وتحولت المدينة إلى مركز عالمي للعلم والأدب والفنون.

ويُعد الخليفة العباسي هارون الرشيد أحد أبرز رموز تلك المرحلة. فقد عاش في القرن الثاني الهجري، أي داخل ما يسميه السلفيون أنفسهم “القرون المفضلة”، وكانت الموسيقى والغناء حاضرين بقوة في الحياة الثقافية والاجتماعية لعصره. وتشير كتب التاريخ والأدب إلى أن مجالسه كانت تضم الشعراء والمغنين والموسيقيين، وأن الغناء والطرب كانا جزءاً من المشهد الحضاري في بغداد، سواء داخل قصور الخلفاء أو في المجتمع العباسي بشكل عام.

وقد ظهر خلال تلك المرحلة عدد من كبار الموسيقيين والمغنين الذين أصبحوا جزءاً من التراث الثقافي الإسلامي، مثل إسحاق الموصلي وزرياب وغيرهما، كما انتشرت مدارس الغناء والموسيقى، وتحولت بغداد إلى فضاء حضاري مفتوح على الفنون والآداب والثقافات المختلفة.

أما زبيدة بنت جعفر، زوجة هارون الرشيد وأم الخليفة الأمين، فتعد واحدة من أبرز نساء الدولة العباسية وأكثرهن شهرة وتأثيراً. واسمها الحقيقي “أمة العزيز بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور”، وهي حفيدة مؤسس الدولة العباسية الخليفة أبي جعفر المنصور، وقد لُقبت بـ”زبيدة” لجمالها وبياض بشرتها حتى غلب اللقب على اسمها الحقيقي.

ولم تكن زبيدة مجرد زوجة خليفة، بل شخصية سياسية وثقافية وعمرانية لعبت دوراً مهماً في العصر العباسي. فقد عُرفت برعايتها للعلم والأدب والشعر، وباهتمامها الكبير بالثقافة، كما ارتبط اسمها بأعمال خيرية وعمرانية ضخمة بقي أثرها إلى اليوم.

ومن أشهر إنجازاتها مشروع “عين زبيدة” في مكة المكرمة، بعدما لاحظت خلال الحج معاناة الحجاج وسكان مكة من نقص المياه، فقررت تمويل مشروع ضخم لجلب المياه إلى مكة عبر القنوات والآبار. وتذكر المصادر التاريخية أنها أنفقت أموالاً طائلة على المشروع، حتى نُقل عنها قولها الشهير لمهندسي المشروع: “اعمل ولو كلفت ضربة الفأس ديناراً”.

كما قامت بتمويل وتجهيز طريق الحج من الكوفة إلى مكة، المعروف تاريخياً باسم “درب زبيدة”، حيث أُقيمت الآبار ومحطات الاستراحة للحجاج على طول الطريق، حتى أصبحت تُعرف بلقب “ساقية الحجيج”. وما زالت بعض آثار هذه المشاريع العمرانية قائمة إلى اليوم كشاهد على الدور الحضاري الذي لعبته المرأة في العصر العباسي.

وتذكر كتب التاريخ، ومنها كتاب وفيات الأعيان لـابن خلكان، أن زبيدة كانت معروفة أيضاً بحبها للعلم والقرآن، وأن قصرها كان يضم عدداً كبيراً من الجواري الحافظات للقرآن الكريم، حتى كان يُسمع من القصر دوي القراءة بشكل دائم.

والمفارقة هنا أن هذه الشخصية العباسية البارزة، التي عاشت داخل ما يصفه السلفيون بالعصر المثالي للإسلام، كانت جزءاً من حضارة عرفت الموسيقى والفنون والشعر والعمران والثقافة، ولم تكن تعيش داخل النموذج المغلق الذي يقدمه الخطاب السلفي المعاصر باعتباره الصورة الوحيدة للإسلام.

الحقيقة أن الموقف من الموسيقى والغناء في التراث الإسلامي لم يكن موحداً عبر التاريخ. فقد وُجد دائماً خلاف فقهي بين العلماء حول هذه المسألة، بين من حرّم بعض الأشكال، ومن أجازها بشروط، ومن تعامل معها باعتبارها جزءاً من العادات والثقافات البشرية. لكن الخطاب السلفي المعاصر يميل غالباً إلى تقديم الرأي الأكثر تشدداً باعتباره الرأي الإسلامي الوحيد، مع تجاهل التنوع التاريخي والفقهي الذي عرفته الحضارة الإسلامية عبر قرون طويلة.

كما أن المدرسة الوهابية النجدية، التي أصبحت المرجعية الفكرية الأساسية لكثير من التيارات السلفية الحديثة، نشأت في بيئة صحراوية محافظة كانت تنظر إلى الفنون والموسيقى من زاوية ثقافية محلية مرتبطة بطبيعة المجتمع النجدي آنذاك. ومع مرور الزمن، تحولت هذه النظرة المحلية إلى خطاب ديني عام يُقدَّم على أنه يمثل الإسلام كله، رغم أن التاريخ الإسلامي كان أكثر تنوعاً واتساعاً من هذه القراءة الضيقة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل وُجدت الموسيقى في التاريخ الإسلامي؟ لأن وجودها ثابت تاريخياً، بل السؤال هو: كيف تحولت بعض الآراء الفقهية المتشددة إلى خطاب ديني مطلق يقدَّم وكأنه التعبير الوحيد عن الإسلام، مع تجاهل كامل للواقع الثقافي والاجتماعي الذي عاشه المسلمون أنفسهم خلال القرون الأولى؟

إن المشكلة لا تكمن في وجود رأي فقهي يحرّم الموسيقى، لأن الاختلاف الفقهي طبيعي وموجود في كل الحضارات والأديان، بل في تحويل هذا الرأي إلى أداة لمحاكمة التاريخ الإسلامي نفسه، وكأن الحضارة الإسلامية كانت خالية من الفنون والموسيقى والشعر والاحتفالات.

فالحضارة الإسلامية، وخاصة خلال العصر العباسي، تشكلت من تفاعل واسع بين الدين والثقافة والعمران والفنون والعلوم، ولم تكن تجربة جامدة أو مغلقة كما يحاول بعض الخطاب السلفي المعاصر تصويرها اليوم.

ومن هنا تبدو المفارقة واضحة: السلفي يدعو إلى العودة إلى “السلف الصالح”، لكنه يتجاهل كثيراً من الوقائع الثقافية والاجتماعية التي عرفتها تلك المرحلة، ويقدم صورة انتقائية للتاريخ تخدم فقط الخطاب التحريمي المعاصر.

إن النقاش حول الموسيقى والغناء لا يمكن فصله عن فهم أوسع لتاريخ الحضارة الإسلامية، ولا عن حقيقة أن المسلمين عاشوا لقرون طويلة مع الفنون والشعر والموسيقى دون أن يروا في ذلك تناقضاً مع الدين أو الإيمان. ولذلك فإن اختزال الإسلام في ثقافة التحريم والمنع فقط يمثل قراءة ضيقة لتاريخ أكثر تنوعاً وتعقيداً مما يقدمه الخطاب السلفي المعاصر.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

‫‫ شاركها‬

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

“راديو الطروطوار” والتهويل السياسي

شهدت الجزائر خلال الفترة الأخيرة موجة تهويل واسعة رافقت بعض التغييرات السياسية والعسكرية ا…