‫الرئيسية‬ الأولى بومدين.. “الجاهل” الذي غيّر وجه الجزائر!
الأولى - الحدث - الوطني - ‫‫‫‏‫6 ساعات مضت‬

بومدين.. “الجاهل” الذي غيّر وجه الجزائر!

بومدين.. "الجاهل" الذي غيّر وجه الجزائر!
وزير سابق للتجارة في حكومة بوتفليقة، وأحد الوجوه السياسية التي عاصرت مرحلة ما بعد الاستقلال، يهاجم الرئيس الراحل هواري بومدين بعد أكثر من 48 سنة على وفاته، ويتهمه السيد نور الدين بوكروح بأنه “جاهل ولا يساوي حتى بصلة”.

مثل هذا الكلام، مهما كانت طبيعة الخلاف السياسي أو الفكري، يبقى صادماً لأنه لا يستهدف فقط شخص رئيس سابق، بل يمس مرحلة كاملة من تاريخ الجزائر الحديث، بكل ما لها وما عليها. والرد على هذا الكلام يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

الرئيس هواري بومدين تعلم في المدارس التي كانت متاحة للجزائريين خلال فترة الاستعمار الفرنسي، ودرس في قسنطينة بمدرسة جمعية العلماء المسلمين المرتبطة بفكر الشيخ عبد الحميد بن باديس، قبل أن ينتقل إلى القاهرة هرباً من التجنيد الإجباري في الجيش الفرنسي. وهناك التحق بالأزهر الشريف، الذي كان ولا يزال من أعرق المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي. ومن المعروف تاريخياً أن الأزهر لم يكن مجرد مؤسسة دينية ضيقة، بل تخرج منه علماء ومفكرون وسياسيون من مختلف الدول العربية والإسلامية، كما عرف تكويناً متنوعاً حتى في العلوم الحديثة خلال مراحل معينة من تاريخه.

ثم إن وصف بومدين بالجهل يتناقض تماماً مع خطبه المسجلة بالصوت والصورة، سواء بالعربية أو الفرنسية. فمن يستمع إلى خطاباته يلاحظ مستوى لغوياً وفكرياً عالياً، سواء من حيث بناء الجملة أو دقة المفاهيم السياسية والاقتصادية التي كان يستعملها. وقد كان يتحدث العربية الفصحى بطلاقة نادرة بين السياسيين، كما كان يتقن الفرنسية بمستوى معتبر، بشهادة صحفيين ودبلوماسيين أجانب تعاملوا معه مباشرة.

ولا يجب أيضاً اختزال مفهوم “العلم” في الشهادات الأكاديمية فقط، لأن الرجل كان يمتلك تكويناً سياسياً وميدانياً حقيقياً. فمنذ التحاقه بالثورة التحريرية تدرج بسرعة في المسؤوليات إلى أن أصبح قائداً للأركان. وشهادات الكثير من قادة الثورة والمجاهدين تؤكد أنه كان معروفاً بالانضباط الصارم، والقدرة الكبيرة على التنظيم، وبعد النظر في إدارة الملفات العسكرية والسياسية. ومن بين هذه الشهادات ما كتبه الراحل عمر بوداود، مسؤول فيدرالية جبهة التحرير بفرنسا، الذي تحدث عن شخصية بومدين باعتباره رجلاً منظماً وصاحب رؤية واضحة للدولة بعد الاستقلال.

كما أن العديد من الكتاب والصحفيين الأجانب الذين عرفوا بومدين عن قرب لم يصفوه أبداً بالجهل. الصحفي الفرنسي بول بالطا، مراسل جريدة “لوموند” في الجزائر وصاحب كتابات معروفة عن الجزائر، تحدث عن بومدين كرجل دولة يمتلك رؤية سياسية واضحة، لا كرجل محدود الثقافة أو التفكير. وكذلك الصحفية الفرنسية آنيا فرانس، التي خصصت له كتاباً بعنوان “رجل اسمه بومدين”، ضمن سلسلة القادة الكبار.

والجاهل لا يستطيع أن يقف في الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1974 ويلقي خطاباً أصبح مرجعاً سياسياً في تاريخ العلاقات الدولية، عندما دعا إلى إقامة “نظام اقتصادي دولي جديد” أكثر عدلاً بين الشمال والجنوب. ذلك الخطاب لم يكن مجرد شعارات، بل كان يعبر عن رؤية سياسية واقتصادية تبنتها لاحقاً حركة عدم الانحياز والعديد من دول العالم الثالث. وحتى خصوم بومدين في الغرب اعترفوا يومها بقدراته الخطابية والسياسية.

أما انقلاب 19 جوان 1965 على الرئيس أحمد بن بلة، فمهما اختلفت الآراء حوله، فإنه لم يكن تصرفاً عشوائياً قام به شخص “جاهل”، بل كان نتيجة صراع سياسي داخل السلطة الجزائرية الفتية. والعديد من المؤرخين والفاعلين السياسيين تحدثوا عن حالة الفوضى والتداخل في مراكز القرار آنذاك، وعن النفوذ الخارجي داخل بعض مؤسسات الدولة، ومن بينهم فتحي الديب، المسؤول المصري المعروف الذي كان حاضراً بقوة في محيط بن بلة.

إنجازات بومدين كرئيس لا يمكن إنكارها حتى من قبل خصومه السياسيين. ففي عهده تم بناء مؤسسات الدولة الحديثة، وتأسيس الجيش الوطني الشعبي بصيغته النظامية الحديثة، وتعميم الخدمة الوطنية، وبناء القاعدة الصناعية الثقيلة، وإنشاء مركب الحجار، وتأسيس سوناطراك، وتأميم المحروقات سنة 1971، وهو القرار الذي يعتبر إلى اليوم من أهم القرارات السيادية في تاريخ الجزائر المستقلة. كما شهدت الجزائر في عهده إصلاحاً زراعياً واسعاً، ومجانية التعليم والصحة، وسياسة تصنيع طموحة، رغم كل ما يقال عن أخطاء التجربة الاشتراكية لاحقاً.

وطبعاً قد يختلف البعض مع اختياراته الاشتراكية، لكن يجب وضع تلك المرحلة في سياقها التاريخي. فالجزائر خرجت لتوها من استعمار استيطاني دام 132 سنة، وكانت أغلب حركات التحرر الوطني في العالم تتجه نحو الاقتصاد الموجه والاشتراكية باعتبارها وسيلة لبناء الاستقلال الاقتصادي واسترجاع السيادة الوطنية. كما أن الجزائر آنذاك لم تكن تملك طبقة صناعية أو برجوازية وطنية قوية يمكن أن تبني اقتصاداً ليبرالياً بالمعنى التقليدي.

ومن الجوانب التي كثيراً ما يتجاهلها خصوم بومدين، حياته الشخصية البسيطة ونمط عيشه المتقشف. فالرجل الذي حكم الجزائر لسنوات طويلة لم يعرف عنه امتلاك القصور أو الحسابات الضخمة أو مظاهر البذخ التي أصبحت مرتبطة بكثير من الحكام في العالم الثالث. بل إن شهادات مقربين منه تؤكد أنه كان شديد الحرص على المال العام، ودقيقاً في مراقبة مصاريف الدولة، إلى درجة أنه كان يرفض أي مظاهر مبالغ فيها في البروتوكول الرئاسي.

وفي هذا السياق، كثيراً ما تروى قصة زوجته السيدة أنيسة بومدين، التي بقيت بعد وفاة الرئيس الراحل محافظة على نفس أسلوب الحياة الهادئ والبسيط بعيداً عن الأضواء. ومن بين الروايات المتداولة والمعروفة لدى كثير من المقربين من العائلة، أنها رفضت تحويل المنزل الذي كان يقيم فيه الرئيس هواري بومدين إلى ملكية شخصية لها، كما رفضت شراءه بالدينار الرمزي، رغم أنه كان بإمكانها الاستفادة من امتيازات كثيرة بحكم مكانتها كأرملة رئيس دولة سابق.

وتقول شهادات متداولة إن السيدة أنيسة بومدين كانت ترى أن ذلك المنزل ليس ملكاً شخصياً للعائلة، بل جزءاً من ذاكرة الدولة الجزائرية، ولهذا فضلت أن يبقى تابعاً لرئاسة الجمهورية، مع رغبتها في أن يتحول مستقبلاً إلى معلم تاريخي أو متحف يحمل ذاكرة الرجل ومسيرته السياسية والوطنية. كما عرفت بمواقفها الوطنية ودفاعها المستمر عن صورة الجزائر في الخارج، خاصة خلال سنوات الأزمة الأمنية في التسعينيات، حين كانت ترفض الإساءة إلى الدولة الجزائرية رغم كل الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد.

لقد أصبح من المؤسف أن يتحول الخلاف السياسي عند بعض الأشخاص إلى حالة عداء شامل للجزائر وتاريخها ورموزها. فانتقاد السياسات أو الخيارات الاقتصادية حق مشروع، لكن تحويل النقاش إلى إهانات شخصية وتحقير لتاريخ بلد بأكمله لا يخدم أي نقاش جدي. الجزائر مرت بمراحل صعبة جداً، من الاستعمار إلى العشرية السوداء، ورغم ذلك بقي ملايين الجزائريين متمسكين بوطنهم وهويتهم الوطنية.

أما الحديث عن بومدين وكأنه مجرد شخصية عابرة في التاريخ، فيكفي للرد عليه التذكير بجنازته سنة 1978، التي تعد من أكبر الجنازات الشعبية في تاريخ الجزائر الحديثة، حيث خرج ملايين الجزائريين لتوديعه في مشهد نادر. ومهما اختلف الناس حول سياساته، فإن مكانته في الذاكرة الوطنية لا يمكن إنكارها.

قد يكرهه الإسلاميون أو اليساريون أو الليبراليون أو القوميون، وقد ينتقده خصومه من زوايا مختلفة، لكن من الصعب إنكار أنه كان رجل دولة، ومجاهداً، وشخصية محورية في بناء الجزائر بعد الاستقلال. والتاريخ عادة لا يُكتب بالانفعالات ولا بالإهانات، بل بالوقائع والإنجازات والنتائج.

أما عبارة “بومدين لا يساوي بصلة”، فهي تعكس مستوى من الانحدار في الخطاب السياسي لا يليق برجل تولى مسؤوليات عليا في الدولة. لأن الاختلاف السياسي مهما بلغ لا يجب أن يتحول إلى إساءة شخصية لرئيس ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر، سواء اتفق الناس معه أو اختلفوا حوله.


اكتشاف المزيد من المؤشر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليق

‫شاهد أيضًا‬

الجزائر تربح معركة الصورة والنفوذ

الزيارات المتعددة من وإلى الجزائر أعادت للبلد دوره المحوري إقليمياً ودولياً بعد سنوات طويل…