من يقود “المراركة”؟
العجيب في عصرنا الحالي هو أن تجد شعبًا بأكمله يتابع التصريحات الإعلامية لرئيس دولة أخرى، يناقش أدق التفاصيل في أقواله ويقدّم الانتقادات والملاحظات دون خجل، ودون أن يسأل عن حال بلاده أو عن وضع رئيس دولته. طبعًا الدولة المعنية بالحديث هي المروك الواقعة بين وادي ملوية ونون، وحسب “إحصائيات” تم تداولها على منصات التواصل، خصوصًا إكس، فإن نسبة متابعة شعب المروك لخرجة عبد المجيد تبون أمام الصحافة الوطنية بلغت أرقامًا مرتفعة جدًا مقارنة بنسبة متابعة الشعب الجزائري نفسه. هذه الأرقام، تعكس حالة لافتة من الاهتمام المفرط بالشأن الجزائري.
هذه النسبة الكبيرة تُستخدم للدلالة على أن المروكي أصبح، في نظر هذا الطرح، شعبًا تائهًا يبحث عن بوصلة سياسية يتمسك بها، ولم يجدها عند قادته، لا عند الملك ولا عند السياسيين الذين يحسبون كلماتهم قبل النطق بها، ويزنونها بميزان دقيق حتى لا يتجاوزوا الخطوط الحمراء. غير أن هذا التوصيف، رغم حدّته، يقوم على تعميم واسع يتجاهل تعقيد الواقع داخل المغرب، حيث تختلف مواقف الناس واهتماماتهم، ولا يمكن اختزالها في سلوك رقمي أو موجة تفاعل ظرفية.
طبعًا، التدخل في مناقشة كلام الرئيس تبون بهذا الشكل المكثف قد يبدو خارج سياقه، خاصة وأن تصريحاته موجّهة أساسًا للجزائريين، لكن ربط هذا السلوك مباشرة بسياسات ممنهجة أو باعتباره دليلًا قاطعًا على “هروب جماعي” من القضايا الداخلية يحتاج إلى قدر أكبر من الحذر والتحقق. الحديث عن توجيه من طرف أجهزة أو عن استراتيجية مدروسة لتحويل أنظار الشعب يبقى فرضية، وليس حقيقة مثبتة، خصوصًا في ظل غياب أدلة موثقة تدعم هذا الطرح.
من جهة أخرى، يُقدَّم هذا الاهتمام على أنه نتيجة مباشرة لسياسات داخلية، وأنه سيؤدي إلى نتائج عكسية، منها ارتفاع وعي الجزائريين وتعزيز تماسكهم الداخلي. هذا الربط قد يحمل جزءًا من الصحة من حيث التفاعل المتبادل بين الخطابين، لكنه يظل مبالغًا فيه عندما يُقدَّم كحتمية أو كمسار واحد لا بديل له. الواقع أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل عوامل إعلامية وسياسية وتاريخية في تشكيل هذا النوع من التفاعل.
الاهتمام الكبير بالشأن الجزائري من طرف بعض المروكيين قد يثير تساؤلات، لكن اعتباره “ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ” هو بدوره مبالغة واضحة. التاريخ السياسي مليء بأمثلة على شعوب تتابع قادة دول أخرى، خاصة في حالات التوتر أو التنافس الإقليمي. الجديد اليوم هو فقط حجم هذا التفاعل وسرعته، بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، وليس طبيعته في حد ذاتها.
أما الحديث عن “استراتيجية إعلامية” تنقلب على أصحابها، أو عن “حرب دعائية” مستمرة، فهو طرح يحتاج إلى تفكيك دقيق بدل الاكتفاء بترديده. صحيح أن الإعلام يلعب دورًا في توجيه النقاشات، لكن اختزال كل تفاعل شعبي في كونه نتيجة توجيه مركزي يُغفل دور الأفراد وديناميكيات الفضاء الرقمي المفتوح. كما أن المقارنة بأساليب دعائية تاريخية، مثل تلك المرتبطة بشخصيات من حقب سابقة، لا يمكن إسقاطها بشكل مباشر على واقع مختلف جذريًا من حيث سرعة تداول المعلومات وتعدد مصادرها.
وفيما يتعلق بطبيعة النقاشات، فقد تصل أحيانًا إلى مستويات مبالغ فيها، سواء في متابعة تفاصيل إعلامية أو في التعليق على مواقف سياسية واقتصادية، لكن وصف ذلك بأنه “وقاحة غير مسبوقة في التاريخ البشري” يدخل في إطار التهويل أكثر منه توصيفًا دقيقًا. الفضاء الرقمي بطبيعته يسمح بقدر كبير من الانفلات في التعبير، وهو ما نراه في مختلف دول العالم، وليس حالة خاصة بالمروك وحده.
كما أن الاهتمام بالوفود الأجنبية أو بالتصريحات المرتبطة بملفات دولية، مثل قضايا الطاقة، يُفهم في إطار التنافس الإقليمي ومحاولة كل طرف قراءة تحركات الآخر، لكنه لا يعني بالضرورة وجود “عدوان يومي” أو “حرب إعلامية شاملة” كما يتم تصويره. هذه توصيفات تحتاج إلى أدلة أقوى من مجرد الانطباع العام أو قراءة أحادية للوقائع.
يمكن القول إن هناك بالفعل اهتمامًا واضحًا من بعض المروكيين بالشأن الجزائري، وربما بشكل يفوق المعقول في بعض الأحيان، لكن تحويل هذه الظاهرة إلى دليل على ضياع شعب كامل أو على وجود مخطط شامل موجّه من أعلى هو طرح يفتقر إلى التوازن. القراءة الأكثر دقة تقتضي الاعتراف بوجود الظاهرة، مع وضعها في سياقها الطبيعي كجزء من تفاعل إعلامي وسياسي متبادل، تضخمه وسائل التواصل الاجتماعي، بدل تحويله إلى حقيقة مطلقة تحمل أحكامًا نهائية على مجتمع بأكمله.
مرتبط
اكتشاف المزيد من المؤشر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
من يقود “المراركة”؟
“الشيطان 2” يدخل الخدمة.. صاروخ روسي مرعب يثير ذعر الغرب
بومدين.. “الجاهل” الذي غيّر وجه الجزائر!
الجزائر تربح معركة الصورة والنفوذ
الجزائر تتنقل من مافيا إلى أخرى؟!
من يقود “المراركة”؟
“الشيطان 2” يدخل الخدمة.. صاروخ روسي مرعب يثير ذعر الغرب
أعلنت روسيا نجاح تجربة جديدة للصاروخ الباليستي العابر للقارات “سارمات”، المعروف لدى حلف شم…
أحوال الناس
استئجار المنازل العائلية: اختيار مثالي لقضاء عطلة الصيف
مع حلول فصل الصيف واقتراب موسم الإجازات، تتجه العديد من الأسر نحو استئجار المنازل …





